حديث في تفسير القرآن

حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في آية الأحبار والرهبان

«فتلك عبادتهم»

أولًا: لفظ الجامع الكبير للترمذي

حدثنا الحسين بن يزيد الكوفي، قال: حدثنا ، عن ، عن ، عن ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن». وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه».

ثانيًا: صيغة السؤال والجواب عند الطبري

عن قال: قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟» قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».

الحكم على الحديث

خبر مشهور جدًّا في كتب التفسير، ومعناه موافق لتفسير مبكر متكاثر؛ لكن طرقه المرفوعة المباشرة التي وُجدت في المصادر المحلية تدور على غطيف بن أعين. قال الترمذي: «حديث غريب»، وقال إن غطيفًا ليس بمعروف في الحديث، ثم حكم ابن حجر عليه بأنه ضعيف. وفي بعض نسخ الترمذي وكتب المتأخرين: «حسن غريب» أو أنه حسّنه؛ لذلك لا يصح عرضه على أنه صحيح متفق على إسناده، ولا يصح في المقابل إهدار شهرته التفسيرية أو إخفاء من حسّنه.

مسائل التحقيق

مدار الأسانيد المرفوعة طريق واحد في أصله

تختلف شيوخ المصنفين والطبقات العليا، ثم تلتقي الطرق كلها عند: عبد السلام بن حرب ← غطيف بن أعين ← مصعب بن سعد ← عدي بن حاتم ← النبي صلى الله عليه وسلم. فتخريج الخبر في ستة كتب لا يساوي ستة شواهد مستقلة.

عبد السلام بن حرب غطيف بن أعين مصعب بن سعد عدي بن حاتم النبي ﷺ

المصادر

الجامع الكبير للترمذي، ج٥، ص٣٢٧؛ التاريخ الكبير للبخاري، ج٨، ص٢٠٢؛ جامع البيان للطبري، ج١٤، ص٢١٠؛ تفسير ابن أبي حاتم، ج٦، ص١٧٨٤؛ المعجم الكبير للطبراني، ج١٧، ص٩٢؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج١٠، ص١٩٨.

لفظ حكم الترمذي اختلاف نسخ

المتن المطبوع في ثلاث طبعات محلية مباشرة: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث». وأثبت جهاز تحقيق إحدى الطبعات أن «حسن غريب» في النسختين «أ، د»، وأن «غريب» في النسختين «س، ل»، ورجّح المحقق اللفظ الثاني.

ترد عبارة «حسنه الترمذي» في كتب لاحقة، ومنها كتاب التوحيد، كما سمّاه ابن تيمية حديثًا حسنًا. هذا تلقي علمي معتبر، لكنه لا يلغي القراءة المطبوعة ولا تعليل الترمذي للمدار.

حال غطيف بن أعين موضع العلة

قال الترمذي: «ليس بمعروف في الحديث». وأدخله ابن حبان في الثقات، بينما ضعفه الدارقطني، ولخّص ابن حجر حاله بقوله: «ضعيف من السابعة». فالتوثيق موجود، لكن قول الناقد المتخصص بالغرابة مع تضعيف الدارقطني وابن حجر يمنع الجزم بصحة الطريق.

مراجع الترجمة

تهذيب التهذيب، ج٤، ص٤٥٦؛ ميزان الاعتدال، ج٣، ص٣٣٦؛ لسان الميزان، ج٦، ص٣٠٨؛ تقريب التهذيب، ص٤٤٣.

ألفاظ المتن معنى واحد بصيغتين

لفظ الترمذي تقرير مباشر: «إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه». ولفظ البخاري والطبري والطبراني حوار استنكاري مع عدي ينتهي بـ«فتلك عبادتهم». ولا تعارض بينهما: الحوار يشرح اعتراض عدي، واللفظ الآخر يلخص الجواب.

أثر حذيفة: هل هو شاهد إسنادي؟ شاهد معنى لا سند مستقل

ورد عن حذيفة تفسير مطابق تقريبًا: لم يكونوا يصلّون أو يصومون للأحبار، وإنما اتبعوا تحليلهم وتحريمهم. لكن طرقه تمر بأبي البختري سعيد بن فيروز، وهو كثير الإرسال عن حذيفة؛ فالأثر يقوي قدم المعنى وانتشاره، ولا يصلح وحده متابعًا متصلًا يرفع علة طريق عدي.

المصادر

تفسير عبد الرزاق، ج٢، ص١٤٤؛ جامع البيان للطبري، ج١٤، ص٢١١؛ جامع التحصيل للعلائي، ص١٨٣.

النتيجة النقدية تفريق لازم

أقرب عبارة منضبطة: إسناد حديث عدي مختلف فيه، ومداره الذي وُجد محليًّا ضعيف عند ابن حجر، مع اختلاف نسخ الترمذي ووجود من حسّن الخبر؛ أما تفسير الآية بأن العبادة هنا قبول التحليل والتحريم المخالف لله فمشهور جدًّا، تشهد له طبقة التابعين وصياغات المفسرين المتعاقبة.

دراسة الرواية وتلقي العلماء لها

إعداد موقع أهل الحديث

المصادر مرتبة زمنيًّا مع الفصل بين الرواية والدراية

كيف انتقل الخبر في الكتب المبكرة؟

الترتيب الآتي بحسب وفاة المصنفين تقريبًا، لا بحسب قوة الطريق؛ وتبقى جميع الروايات المرفوعة المعروضة راجعة إلى المدار نفسه.

البخاري في التاريخ الكبير:
أخرج من طريق مالك بن إسماعيل، عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف، عن مصعب، عن عدي صيغة السؤال والجواب: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه…؟» قال عدي: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».

البخاري، محمد بن إسماعيل (١٩٤–٢٥٦هـ)

التاريخ الكبير، ج٨، ص٢٠٢.

الترمذي في الجامع:
روى القصة من طريق الحسين بن يزيد، عن عبد السلام، وأثبت اللفظ التقريري، ثم حكم بالغرابة وسمّى غطيفًا موضعًا للإشكال.

الترمذي، محمد بن عيسى (٢٠٩–٢٧٩هـ)

الجامع الكبير، ج٥، ص٣٢٧، حديث رقم ٣٣٥٢.

الطبري في جامع البيان:
جمع طريقين إلى عبد السلام بن حرب، ثم وضع الخبر داخل ملف أقوال السلف في الآية، فصار المتن جزءًا من البنية التفسيرية لا مجرد خبر في الفضائل.

الطبري، محمد بن جرير (٢٢٤–٣١٠هـ)

جامع البيان، ج١٤، ص٢١٠، أثر رقم ١٦٦٣٢.

ابن أبي حاتم في التفسير:
جمع خبر عدي وأثر حذيفة، ثم ذكر أن المعنى رُوي كذلك عن أبي العالية وأبي جعفر محمد بن علي والضحاك والسدي؛ وهو شاهد على اتساع قبول التفسير مع بقاء السؤال عن كل إسناد بعينه.

ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد (٢٤٠–٣٢٧هـ)

تفسير القرآن العظيم، ج٦، ص١٧٨٤.

الطبراني في المعجم الكبير:
أورد صيغة الحوار ونهايتها «فتلك عبادتهم» من الطريق نفسه عن عبد السلام بن حرب.

الطبراني، سليمان بن أحمد (٢٦٠–٣٦٠هـ)

المعجم الكبير، ج١٧، ص٩٢، حديث رقم ٢١٨.

البيهقي في السنن الكبرى:
أورد الحديث في باب يقرر أن القاضي والمفتي لا يجوز لهما تقليد أهل العصر أو الحكم بالاستحسان من غير حجة.

البيهقي، أحمد بن الحسين (٣٨٤–٤٥٨هـ)

السنن الكبرى، ج١٠، ص١٩٨، حديث رقم ٢٠٣٥٠.

قراءة رجال المدار

عبد السلام بن حرب:
ثقة حافظ، لكنه وُصف بأن له مناكير. وموضع النظر الرئيس في هذا الخبر ليس فيه وحده، بل في شيخه غطيف.

ابن حجر العسقلاني

تقريب التهذيب، ص٣٥٥. اضغط اسم عبد السلام في متن الحديث لعرض بطاقته.

غطيف بن أعين:
هو مدار الخبر وموضع اختلاف النقاد: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الترمذي إنه ليس بمعروف في الحديث، وضعفه الدارقطني، وقال ابن حجر: «ضعيف من السابعة».

خلاصة أقوال أئمة الرجال

تهذيب التهذيب، ج٤، ص٤٥٦؛ ميزان الاعتدال، ج٣، ص٣٣٦؛ لسان الميزان، ج٦، ص٣٠٨؛ تقريب التهذيب، ص٤٤٣.

مصعب بن سعد:
ثقة من الثالثة، وتوفي سنة ثلاث ومائة. يروي في هذا السند عن عدي بن حاتم، ويروي عنه غطيف بصيغة «عن».

ابن حجر العسقلاني

تقريب التهذيب، ص٥٣٣.

عدي بن حاتم:
صحابي مشهور، ثبت على الإسلام في الردة، وشهد فتوح العراق ومشاهد علي رضي الله عنه، وتوفي سنة ثمان وستين.

ابن حجر العسقلاني

تقريب التهذيب، ص٣٨٨.

القرائن المبكرة: تقوية المعنى لا صناعة إسناد آخر

قال أبو البختري من قوله:
«أطاعوهم فيما أمروهم به من تحريم حلال وتحليل حرام، فعبدوهم بذلك».

أبو البختري سعيد بن فيروز

مصنف ابن أبي شيبة، ج١٩، ص٤٦٢.

أما روايته للمعنى عن حذيفة:
فهي منقطعة؛ لأن أبا البختري «كثير الإرسال عن عمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وغيرهم».

العلائي، خليل بن كيكلدي (٦٩٤–٧٦١هـ)

جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص١٨٣.

وظيفة هذه القرائن

تكشف أن تفسير العبادة بالطاعة في قلب الحلال والحرام كان معروفًا في أقدم طبقة تفسيرية؛ لكنها لا تحوّل طريق عدي إلى عدة أسانيد صحيحة مستقلة، ولا تجعل المرسل عن حذيفة متصلًا.

كيف تلقّى العلماء الخبر بعد عصر الرواية؟

الماتريدي:
أورد الخبر بصيغة «إن ثبت»، ثم قرر معناه من جهة اتباع الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم.

تأويلات أهل السنة

ج٥، ص٣٥٨.

القرطبي:
استعمل الحديث في التفسير، لكنه لم يطمس عبارة الترمذي: غريب، وغطيف ليس بمعروف.

الجامع لأحكام القرآن

ج٨، ص١٢٠.

ابن تيمية:
سماه «حديثًا حسنًا طويلًا» رواه أحمد والترمذي وغيرهما، ثم بنى عليه تفريقه بين اعتقاد التبديل وبين المعصية مع بقاء الإقرار بحكم الله.

مجموع الفتاوى

ج٧، ص٦٧–٧١.

محمد بن عبد الوهاب:
قال في كتاب التوحيد: «وعن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية… فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم». ثم قال: «رواه أحمد والترمذي وحسنه».

محمد بن عبد الوهاب (١١١٥–١٢٠٦هـ)

كتاب التوحيد، ص١٠٣.

هذه صيغة التلقي في كتابه. أما النص المباشر للترمذي في النسخ المحلية فكما سبق: «حديث غريب» مع الكلام في غطيف.

النتيجة: بين حكم الطريق وثبوت المعنى التفسيري

لا يقال بلا قيد

«له طرق كثيرة صحيحة»

المصادر العديدة تلتقي عند غطيف؛ وأثر حذيفة منقطع. فالعدد هنا عددُ مخارج الكتب والطبقات العليا، لا عدد أصول مستقلة تسلم من العلة.

ويقال بدقة

«مختلف في إسناده، مشهور في تفسيره»

انتقد الترمذي مداره وضعفه ابن حجر، ووجد من حسّنه؛ ثم وافق معناه تفسير مبكر واسع واعتمده المفسرون مع بقاء بعضهم على التحفظ الحديثي.