قوله عز وجل ﴿أَحَدٌ﴾ بمعنى واحد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ».
تفسير الآيات
الآية الأولى من سورة الإخلاص
إعداد موقع أهل الحديث
نصوص من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم
قوله عز وجل ﴿أَحَدٌ﴾ بمعنى واحد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ».
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة الفجر: «بِـ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَاللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ». قال الحكم بن عتيبة: «وَهُمَا هَكَذَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحِّدْ أَحِّدْ».
قال الله عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال أبو سليمان الخطابي:
«فذكر خلق السموات بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وسيرها في أفلاكها الذي يختلف الليل والنهار به، ويتبين زيادتهما ونقصانهما ودخول أحدهما على الآخر، وأخذ بعضها من بعض، فيكون بها انقسام فصول السنة، وتعاقب الحر والبرد، الذين بأحدهما لقاح الشجر، وبالآخر نضج الثمار، وذكر الله الأرض التي هي مسكن الحيوان والدواب، وفيها قرار البحار التي تجمع المياه التي تحمل السفن والفلك، وذكر الريح التي تنشئ السحاب، وتجريها إلى حيث أذن لها أن تمطر، فيحيي بها البلاد والزرع والأنعام، وبها يجري الفلك والسفن في البحار؛ فتصلح بهذه الأمور معايش الناس وتكثر بها منافعهم، وباجتماع هذه الأمور ومعاونة بعضها بعضًا يتم صلاح أمر العالم وينتظم، وفي ذلك دليل على أن صانع العالم قادر حكيم عالم خبير. ووقع ذكر هذه الأمور عقب قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ليدل بها على صدق الخبر، عما قد يدلنا به من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته ورأفته بخلقه».
قال ابن القيم:
«والمقصود أن من الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد، وفعل واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد، بجميع العالم على اختلاف ما فيه. واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة، وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية، كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر واحد، ورب واحد.
ودل على الأمرين ـ أعني توحيد الربوبية والإلهية ـ النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع كثرتها وتعددها، ودل افتقار بعضها إلى بعض، وتشبّك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها لبعض، وارتباطه به على أنها صنع فاعل واحد، ورب واحد.
فلو كان معه آلهة وأرباب غيره لذهب كل إله بخلقه واستبد به، ولم يرض لنفسه أن يحتاج خلقه إلى خلق غيره؛ لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغنى، ودل انتظامها في الوجود، ووقوعها مع تباينها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها، على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق، ومعبودها الأعلى، الذي لا إله لها غيره، ولا معبود لها سواه.
فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وتباينها، واجتماعها فيما اجتمعت فيه، وافتراقها فيما افترقت فيه على إله واحد، ورب واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله».
فوجه البرهان هو:
أن هذه المخلوقات شديدة الاختلاف، لكنها ليست أنظمة منفصلة؛ بل تتعاون وتتصل منافعها: السماء بالمطر، والمطر بالأرض، والأرض بالنبات والحيوان، والرياح بالسحاب والبحر، والليل والنهار بمصالح الجميع.
وانتظامها جميعًا تحت تدبير واحد، بلا تناقض ولا فساد، يدل على أن خالقها ومدبرها واحد.
ومن انفرد بالخلق والتدبير والرحمة والنفع وجب أن يُفرد بالإلهية والعبادة؛ فالآية ١٦٣ تقرير التوحيد، والآية ١٦٤ برهانه الكوني.
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى:
«﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: قضى الله. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾: شهودٌ على ذلك».
واعترض الطبري على تفسير «شهد» بـ«قضى» فقال:
«فأما ما قال الذي وصفنا قوله: من أنه عَنَى بقوله: «شَهِدَ»، قضى، فمما لا يُعرف في لغة العرب ولا العجم؛ لأن الشهادة معنى، والقضاء غيرها».
ورُوي تفسير ابن الأعرابي بإسناده:
جاء في صدر تفسير سورة آل عمران: «أخبرنا أبو العباس، عن ابن الأعرابي، قال»، ثم جاء عند الآية: «﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: قال الله، وشهد الله، أي: كتب الله، وشهد الله، أي: علم الله».
وروى الأزهري سؤالَ المنذري لثعلب فقال:
«أخبرني المنذري أنه سأل أحمد بن يحيى عن قول الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فقال: كلُّ ما كان ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فهو بمعنى عَلِمَ الله».
ونقل ابن الأنباري عن شيخه ثعلب:
«قال أبو بكر: قال أبو العباس: معناه بيَّن الله أنه لا إله إلا هو، وأعلم أنه لا إله إلا هو».
ثم صرَّح ابن الأنباري بترجيحه فقال:
«وقول أبي العباس أحسنُ مشاكلةً لكلام العرب».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جمع الأقوال وتحريرها:
«قد تنوَّعت عبارات المفسرين في لفظ «شهد»، فقالت طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو عبيدة: أي حكم وقضى. وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي بيَّن. وقالت طائفة: أي أعلم. وكذلك قالت طائفة: معنى شهادة الله الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار. وكل هذه الأقوال وما في معناها صحيحة؛ وذلك أن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به. ثم قد يخبره ويعلمه بذلك، فتكون الشهادة إعلامًا لغيره وإخبارًا له، ومن أخبر غيره بشيء فقد شهد به، سواء كان بلفظ الشهادة أو لم يكن.
فالشهادة تضمَّنت مرتبتين: إحداهما تكلُّم الشاهد وقوله وذكره لما شهد في نفسه به، والثاني: إخباره وإعلامه لغيره بما شهد به؛ فمن قال: حَكَم وقضى، فهذا من باب اللازم. ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك؛ وذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبيَّن وأعلم أن ما سواه ليس بإله فلا يُعبد، وأنه وحده الإله الذي يستحق العبادة».
ثم قال ابن تيمية في شهادة الله بأفعاله:
«وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ مَا نَصَبَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ… فَإِذَا كَانَتِ الْمَخْلُوقَاتُ دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَعَلَهَا دَالَّةً عَلَيْهِ… فَهُوَ الشَّاهِدُ الْمُبَيِّنُ بِهَا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ».
وقال في قوله تعالى ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
«أَيْ: مُتَكَلِّمًا بِالْعَدْلِ، مُخْبِرًا بِهِ، آمِرًا بِهِ… وَقِيَامُهُ بِالْقِسْطِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ يَقُولُ الصِّدْقَ وَيَعْمَلُ بِالْعَدْلِ».
وقال ابن القيم:
«فتضمَّنت هذه الآية أجلَّ شهادة، وأعظمها، وأعدلها، وأصدقها، من أجلِّ شاهد، بأجلِّ مشهود به. وعبارات السلف في «شهد» تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار. قال مجاهد: حكم وقضى. وقال الزجاج: بيَّن. وقالت طائفة: أعلم وأخبر. وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها؛ فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:
فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يُعلم غيره بما شهد به، ويخبره به، ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمَّنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به».
وقال ابن القيم في فضل أولي العلم:
«اسْتَشْهَدَ سُبْحَانَهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَوْحِيدُهُ… وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا اسْتِشْهَادُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَرِ، وَالثَّانِي اقْتِرَانُ شَهَادَتِهِمْ بِشَهَادَتِهِ، وَالثَّالِثُ اقْتِرَانُهَا بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ…».
وقال جل ذكره: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
قوله تعالى ﴿لَا تَغْلُوا﴾:
قال عمر رضي الله عنه على المنبر: سمعت النبي ﷺ يقول:
«لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
قال قتادة في ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾:
«هُوَ قَوْلُهُ: كُنْ، فَكَانَ».
قال الإمام أحمد في «الرد على الجهمية والزنادقة»:
«فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ عِيسَى بِـ“كُنْ”، وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ “كُنْ”، وَلَكِنْ بِـ“كُنْ” كَانَ… إِنَّ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ، وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةَ».
ثم قال:
«وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، يَقُولُ: مِنْ أَمْرِهِ كَانَ الرُّوحُ فِيهِ… وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا رُوحٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ خَلَقَهَا اللَّهُ، كَمَا يُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ، وَسَمَاءُ اللَّهِ، وَأَرْضُ اللَّهِ».
وقال النبي ﷺ:
«مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ».
وفي رواية مسلم:
«وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ».
قال الطبري:
«يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ما اللهُ أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. كما تقولون؛ لأن مَن كان له ولدٌ فليس بإلهٍ، وكذلك مَن كان له صاحبةٌ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلها معبودًا، ولكنّ اللهَ الذى له الأُلُوهةُ والعبادةُ إلهٌ واحدٌ [ومعبودٌ واحدٌ]، لا ولدَ له، ولا والدَ، ولا صاحبةَ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤُه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. يقولُ: تعالى اللَّهُ وتعظَّم وتنزَّه عن أن يكونَ له ولدٌ أو صاحبةٌ».
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء الجَهَلةِ من النصارى: لو كان المسيحُ كما يزعمون أنه هو اللهُ - وليس كذلك - لقدَر أن يرُدَّ أَمرَ اللهِ إذا جاءه بإهلاكه وإهلاكِ أمِّه، وقد أَهْلَك أمَّه فلم يقدِرْ على دفعِ أمرِه فيها إذ نزَل ذلك. ففى ذلك لكم مُعْتَبَرٌ إِن اعْتَبرتُم، وحجةٌ عليكم إن عقَلتم، في أن المسيحَ بشرٌ كسائرِ بنى آدمَ، وأن الله ﷿ هو الذي لا يُغْلَبُ ولا يُقْهَرُ ولا يُرَدُّ له أمرٌ، بل هو الحيُّ الدائمُ القيُّومُ الذي يُحيى ويميتُ، ويُنْشِئُ ويُفْنى، وهو حيٌّ لا يموتُ».
وقال في ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾:
«ينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهار».
قال ابن القيم:
«فَأَمَّا الْغَنِيُّ الَّذِي غِنَاهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ بِذَاتِهِ، وَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدٌ لَهُ، مَقْهُورُونَ بِقَهْرِهِ، مُصَرَّفُونَ بِمَشِيئَتِهِ، لَوْ أَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ عِزِّهِ وَسُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ».
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم فيما قالوا مِن ذلك: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: ما لكم معبودٌ، أيها الناسُ، إلا معبودٌ واحدٌ، وهو الذي ليس بوالدٍ لشيءٍ، ولا مولودٍ، بل هو خالقُ كلِّ والدٍ ومولودٍ».
وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ﴾.
قال مجاهد:
«أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَنْ يَسْأَلَ قُرَيْشًا: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً؟ ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ فَيَقُولُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾».
وقال في ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾:
«يَعْنِي: وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ».
قال الإمام البخاري:
«﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ شَيْئًا، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ».
قال الطبري في صدر الآية:
«أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً وأكبرُ؟ ثم أَخْبِرْهم بأن أكبرَ الأشياءِ شهادةً اللهُ الذي لا يجوزُ أن يقعَ في شهادتِه ما يجوزُ أن يقعَ في شهادةِ غيرِه من خلقِه؛ من السهوِ والخطإِ والغلطِ والكذبِ. ثم قلْ لهم: إن الذي هو أكبرُ الأشياءِ شهادةً ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بالمحقِّ منا مِن المُبْطِلِ، والرَّشيدِ منا في فعلِه وقولِه مِن السفيهِ، وقد رضِينا به حَكَمًا بينَنا».
وقال في ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾:
«لأُنْذِرَكم بالقرآنِ أيُّها المشركون، وأُنْذِرَ مَن بلَغه القرآنُ مِن الناسِ كلِّهم».
وقال في خاتمة الآية:
«ثم قال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾ بما تَشْهَدون أن مع اللهِ آلهةً أخرى، بل أَجْحَدُ ذلك وأنكِرُه، ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: إنما هو معبودٌ واحدٌ، لا شَريكَ له فيما يَسْتَوْجِبُ على خلقِه مِن العبادةِ، ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: قل: وإننى برئٌ مِن كلِّ شريك تَدَّعُونه للهِ، وتُضِيفونه إلى شَرِكتِه، وتَعْبُدونه معه، لا أَعْبُدُ سوى اللهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«كلُّ أحدٍ يعلم أن الله أكبر شهادة، فلما قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ عُلِم أن الله أكبر شهادة من كل شيء، فقيل له: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾».
«وإذا نظر في ذلك علم أن الله شهد بصدقه وكذبهم بالنوعين من الآيات: بكلامه الذي أنزله، وبما بيَّن أنه رسول صادق. ولهذا أعقبه بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ فإن هذا القرآن فيه الإنذار، وهو آية شهد بها أنه صادق».
«وهكذا شهادةُ الله بين الرسول ومتبعيه وبين مكذبيه؛ فإنها تتضمن حكم الله للرسول وأتباعه… ويحكم له أيضًا بالنجاة والنصر والتأييد وسعادة الدنيا والآخرة، ولمكذبيه بالهلاك والعذاب وشقاء الدنيا والآخرة».
قال ابن القيم:
«المراد بالآية شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته».
وقال في عموم الإنذار:
«﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ فكلُّ مَن بلغه هذا القرآن فقد أُنذر به، وقامت عليه حجة الله به».
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكرُه: الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، هو اللهُ ربُّكم أيها العادِلون باللهِ الآلهةَ والأوثانَ، والجاعِلون له الجنَّ شركاءَ، وآلهتِكم التي لا تَمْلِكُ نفعًا ولا ضَرًّا، ولا تَفْعَلُ خيرًا ولا شرًّا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهذا تكذيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه الذين زعَموا أن الجنَّ شركاءُ اللهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: أيُّها الجاهِلون، إنه لا شيءَ له الألوهيةُ والعبادةُ إلا الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، فإنه لا يَنْبَغِي أن تَكونَ عبادتُكم وعبادةُ جميعِ مَن في السماواتِ والأرضِ إلا له، خالصةً بغيرِ شريكٍ تُشْرِكونه فيها، فإنه خالقُ كلِّ شيءٍ وبارئُه وصانعُه، وحقٌّ على المصنوعِ أن يُفْرِدَ صانعَه بالعبادةِ».
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قال الطبري:
«وأما قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾. فإنه يعنى به: وما أُمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا، ليس إلا أن يَعْبُدُوا مَعْبُودًا واحدًا، وأن يُطيعوا إلا ربًا واحدًا، دونَ أرباب شَتَّى، هُو الله الذي له عبادة كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلِّ خَلْقٍ، المُسْتَحِقُّ على جميع خلقه الدَّيْنونة له بالوحدانية والربوبية، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول تعالى ذكره: لا تَبْغى الألوهة إلا للواحدِ الذي أُمِرَ الخلق بعبادته، ولَزِمَت جميع العبادِ طاعته، ﴿سُبْحَانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تَنْزيها وتَطْهِيرًا للهِ عما يُشْرَكُ في طاعتِه وربوبيَّتِه القائلون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. والقائلون: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾. المُتَّخِذون أحبارهم ورهبانهم أربابًا مِن دونِ اللهِ».
وقال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن كثير:
«ثم إنّ يوسف ﵇ أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: الذي ذلَّ كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه، ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله، ولهذا قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة ولا برهان، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم الذي أمر الله به، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف]».
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا أرسَلْناك يا محمدُ في جماعةٍ مِن الناسِ، يَعْنى: إلى جماعةٍ قد خلَتْ مِن قبلِها جماعاتٌ على مثلِ الذي هم عليه، فمضَت - ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: لتبلِّغَهم ما أرسلتُكَ به إليهم مِن وَحْيِى الذي أوحيتُه إليك، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: وهم يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ ويكذِّبون بها، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾. يقولُ: إِن كَفَر هؤلاء الذين أرسلتُكَ إليهم يا محمدُ بالرحمنِ، فقُلْ أنت: اللَّهُ ربي لا إلهَ إلا هو عليه توكَّلْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. يقولُ: وإليه مرجعى وأَوْبَتَى».
وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
قال الطبري:
«﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: وليعلَمُوا بما احْتَجَّ به عليهم من الحُججِ فيه، أنما هو إله واحدٌ، لا آلهةٌ شتَّى، كما يقولُه المشركون باللهِ، وألَّا إلهَ إلا هو، الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ، الذي سخَّر لهم الشمسَ والقمرَ، والليلَ والنهارَ، وأنزَل من السماءِ ماءً، فأخرَج به من الثمراتِ رزقًا لهم، وسخَّر لهم الفُلكَ لتجرى في البحرِ بأمرِه، وسخَّر لهم الأنهارَ».
وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.
قال الطبري:
«ومعنى الكلامِ: يُنزِّلُ الملائكةَ بالروحِ مِن أمرِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه، بأن أنذِروا عبادى سطْوَتى على كُفرِهم بي، وإشراكِهم في اتخاذِهم معىَ الآلهةَ والأوثانَ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾. يَقولُ: لا تَنْبَغى الأُلوهةُ إلَّا لي، ولا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ شَيءٌ سواى، ﴿فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ: فاحذَروني؛ بأداءِ فرائضِى، وإفرادِ العبادةِ، وإخلاصِ الربوبيةِ لى، فإن ذلك نجاتُكم مِن الهَلَكَةِ».
وقال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكرُه: معبودُكم الذي يَسْتَحِقُّ عليكم العبادةَ وإفرادَ الطاعةَ له، دونَ سائرِ الأشياءِ - معبودٌ واحدٌ؛ لأنه لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، فأَفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ولا تَجْعَلُوا معه شريكًا سواه. ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مستنكرةٌ لما نَقُصُّ عليهم مِن قدرةِ اللهِ وعظمتِه، وجميلِ نِعَمِه عليهم، وأن العبادةَ لا تَصْلُحُ إلا له، والأُلوهةَ ليست لشيءٍ غيرِه، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: وهم مستكبرون عن إفرادِ اللهِ بالأُلوهةِ، والإقرارِ له بالوحدانيةِ، اتباعًا منهم لما مضَى عليه من الشركِ باللهِ أسلافُهم».
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لعبادِه: لا تَتَّخِذوا لى شريكًا، أيُّها الناسُ، ولا تَعْبُدوا معبودَيْن؛ فإنكم إذا عبَدْتُم معىَ غيرى، جعَلْتُم لى شريكًا ولا شريكَ لى، إنما هو إله واحد، ومعبودٌ واحدٌ، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. يقولُ: فإياىَ فاتَّقوا، وخافوا عقابى بمعصيتِكم إياىَ إن عصَيْتُمونى وعبَدْتُم غيرى، أو أشْرَكْتُم في عبادتِكم لي شريكًا».
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
قال الطبري:
«يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أنا إنسان مثلكم، من بني آدمَ لا عِلمَ لى إلا ما عَلَّمَنى الله، وإن الله يُوحى إليَّ أن معبودكم الذي يجبُ علَيْكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، معبود واحدٌ لا ثاني له ولا شَرِيكَ، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فمَنْ كان يخافُ ربَّه يوم لقائِه، ويُراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: فليُخْلِص له العبادةَ، وليفرد له الرُّبوبية. وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجعَلْ للَّهِ شَريكًا في عبادته إيَّاه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءَى بعمله الذي ظاهِرُه أَنَّه للَّهِ، وهو مريدٌ به غيره».
وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
قال الطبري:
«﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. يقولُ: فاسْتَمِعْ لوَحْيِنا الذي نوحِيه إليك وعِه، واعملْ بهِ. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إننى أنا المعبودُ الذي لا تصلُحُ العِبادةُ إلَّا له، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ فلا تعبُدْ غيرِى، فإنَّه لا معبودَ تجوزُ أو تصلُحُ له العبادةُ سِوَايَ، ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. يقولُ: فأخْلِصِ العبادةَ لى دونَ كلِّ ما عُبِد مِن دُونِي».
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
قال الطبري:
«وقولُه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها القومُ معبودٌ إلا الله الذي له عبادةُ جميع الخلق، لا تَصْلُحُ العبادةُ لغيره، ولا تَنْبَغى أن تكون إلا له».
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
قال قتادة:
«حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ قولَه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: به أرسَلتُ الرسلَ؛ بالإخلاصِ والتوحيدِ، لا يُقبلُ منهم - قال أبو جعفرٍ: أَظُنُّه أنا قال - عَمَلٌ حتى يقولوه ويُقِرُّوا به، والشرائعُ مختلفةٌ؛ في التوراةِ شريعةٌ، وفي الإنجيلِ شريعةٌ، وفي القرآنِ شريعةٌ، حلالٌ وحرامٌ، وهذا كلُّه في إخلاصٍ للهِ وتوحيدٍ له».
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قال الطبري:
«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد: ما يُوحِي إلى ربِّي إِلَّا أَنَّه لا إلهَ لكم يجوز أن يُعبد إلَّا إلهٌ واحدٌ، لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغى ذلك لغيرِه، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم مذعنون له أيُّها المشركون العابدون الأوثانَ والأصنام، بالخضوع بذلك، ومُتبرَّئون من عبادة ما دونه من آلهتكم؟».
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قال الطبري:
«﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾. يقولُ: إذن لاعتزل كلُّ إلهٍ منهم ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ من شيءٍ، فانفرَد به، ولَتغالَبوا، فلعلَا بعضُهم على بعضٍ، وغلَب القويُّ منهم الضعيفَ؛ لأنَّ القويَّ لا يرضَى أن يعلُوَه ضعيفٌ، والضعيفُ لا يصلُحُ أنْ يكونَ إلهًا. فسبحانَ اللهِ ما أبلغَها من حجةٍ، وأوجزَها لمن عَقَل وتدبَّرَ!».
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
قال الطبري:
«﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ سواه تَصْلُحُ له العبادةُ، فأَخْلِصوا له العبادةَ، وأَفرِدوه بالطاعةِ، ولا تُشْرِكوا به شيئًا».
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قال الطبري:
«وقولُه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ المعبودُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلَّا له، ولا معبودَ تَجوزُ عبادتُه غيرُه».
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكره: ولا تعبدْ يا محمدُ مع معْبودِك الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ معبودًا آخرَ سِواه. وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تصلُحُ له العبادهُ إلا اللهُ الذى كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلا وَجْهَه».
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾.
قال الطبري:
«يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: والصَّافَّاتِ صفًّا، إن معبودَكم الذى يَستوجِبُ عليكم أيُّها الناسُ العبادةَ، وإخلاصَ الطاعةِ منكم له، لواحدٌ لا ثانىَ له ولا شريكَ. يقولُ: فله أخْلِصوا العبادةَ، وإياه فأفرِدوا بالطاعةِ، ولا تجعَلوا له فى عبادتِكم إياه شريكًا. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾. [يقولُ: هو واحدٌ مدبرٌ السماواتِ السبعَ والأرضَ وما بينَهما] من الخَلْقِ، ومالكٌ ذلك كلَّه، والقيِّمُ على جميعِ ذلك».
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.
قال الطبري:
«﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: وما من معبودٍ تصلُحُ له العبادةُ، وتَنْبَغِى له الربوبيةُ إلا الله الذي يَدِينُ له كلُّ شيءٍ، ويعْبُدُه كلُّ خلقٍ، الواحدُ الذي لا ينْبَغي أن يكونَ له في ملكِه شريكٌ، ولا يَنْبَغى أن تكُونَ له صاحبةٌ، القهارُ لكلِّ ما دونَه بقدرتِه، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: مالكُ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما من الخلقِ. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه، هو الإلهُ الذي لا إلهَ سِوَاه، لا الذي لا يَمْلِكُ شيئًا ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ».
وقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
قال الطبري:
«وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقولُ: تنزيهًا للهِ عن أن يكونَ له ولدٌ، وعما أضاف إليه المشركون به من شِركِهم، ﴿هُوَ اللَّهُ﴾. يقولُ: هو الذي يعبدُه كلُّ شيءٍ، ولو كان له ولدٌّ لم يكنْ له عبدًا، يقولُ: فالأشياءُ كلُّها له مِلكٌ، فأَنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو الواحدُ الذي لا شريكَ له في مُلْكِه وسلطانِه».
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
قال الطبري:
«يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعَم عليكم هذه النعم أيها الناسُ، الله مالِكُكم ومُصْلِحُ أموركم، وهو خالقكم وخالق كلِّ شيءٍ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فَأَيَّ وجهٍ تأخُذون؟ وإلى أين تذهبون عنه فتعبُدون سواه؟».
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال الطبري:
«﴿هُوَ الْحَيُّ﴾. يقولُ: هو الحيُّ الذي لا يموتُ، الدائم الحياةِ، وكلُّ شيءٍ سواه فمنقطع الحياة غير دائمها، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تجوز عبادتُه، وتصلُحُ الألوهة له، إلا الله».
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
قال الطبري:
«﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ: يوحِى اللهُ إليَّ ألَّا معبودَ لكم تصلُحُ عبادتُه إلا معبودٌ واحدٌ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فاستقيموا إليه بالطاعةِ، ووَجِّهوا إليه وجوهَكم بالرغبةِ والعبادةِ، دونَ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: وسَلُوه العفوَ لكم عن ذنوبِكم التي سلَفت منكم بالتوبةِ مِن شركِكم، يَتُبْ عليكم، ويغفرْ لكم».
وقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال الطبري:
«وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبود لكم أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه».
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾.
قال الطبري:
«يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاعلَمْ يا محمدُ أنه لا معبودَ تنبغى أو تصلُحُ له الألوهةُ، ويجوز لك وللخلق عبادتُه، إلا اللهُ الذي هو خالقُ الخلقِ، ومالكُ كلِّ شيءٍ، يَدينُ له بالربوبيةِ كلُّ ما دونَه».
وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قال الطبري:
«يعني تعالى ذكرُه: الذي يَتَصَدَّعُ مِن خشيتِه الجبلُ أيُّها الناسُ، هو المعبودُ الذي لا تَنْبغي العبادةُ والألوهةُ إلا له، عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ، وشاهدُ ما فيها مما يُرى ويُحَسُّ، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: هو رحمنُ الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به».
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
قال الطبري:
«﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: معبودُكم أيُّها الناسُ معبودٌ واحدٌ، لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا معبودَ لكم سِواه، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ أيُّها الناسُ فليتوكَّلِ المُصدِّقون بوحدانيتِه».
وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾.
قال الطبري:
«وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا ينبغي أن يُعْبَدَ إلهٌ سوى اللهِ الذي هو ربُّ المشرقِ والمغربِ».
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
قال الطبري:
«﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، يقول جل ثناؤُه: فسوف يُجيبونك بأن يقولوا: الذي يفعل ذلك كلَّه الله. ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ يقولُ: أفلا تخافون عقابَ الله على شِرْككم، وادِّعائِكم ربًّا غيرَ مَن هذه الصفة صفتُه، وعبادتِكم معه مَن لا يرزقكم شيئًا، ولا يملكُ لكم ضَرًّا ولا نفعًا».
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
قال قتادة:
«﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: لو كان معه آلهةٌ إذنْ لعرَفوا له فضلَه ومرتبتَه ومنزلتَه عليهم، فابتغَوا ما يقرِّبُهم إليه».
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
قال الطبري:
«وقل يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكونَ مربوبًا لا ربًّا؛ لأنَّ ربَّ الأربابِ لا يَنْبَغى أن يكونَ له ولدٌ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيكونَ عاجزًا ذا حاجةٍ إلى معونةِ غيرِه ضعيفًا، ولا يكونُ إلهًا من كان محتاجًا إلى مُعينٍ على ما حاول، ولم يكنْ منفردًا بالمُلكِ والسلطانِ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾. يقولُ: ولم يكنْ له حليفٌ حالَفه مِن الذُّلِّ الذي به؛ لأنَّ مَن كان ذا حاجةٍ إلى نُصرةِ غيرِه، فذليلٌ مَهِينٌ، ولا يكونُ مَن كان ذليلًا مهينًا يحتاجُ إلى ناصرٍ إلهًا يُطاعُ».
وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قال الطبري:
«لو كان في السماواتِ والأرضِ آلهةٌ تصلُحُ لهم العبادةُ سوى اللهِ الذي هو خالقُ الأشياءِ، وله العبادةُ والأُلوهةُ التي لا تصلُحُ إلَّا له ﴿لَفَسَدَتَا﴾. يقولُ: لفسَد أهلُ السماواتِ والأرضِ».
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال الطبري:
«﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أإلهٌ مع الله سوى الله يفعلُ بكم شيئًا من ذلك فتعبُدوه مِن دونِه، أو تُشْرِكوه في عبادتِكم إياه؟» ثم قال عند الآية (٦٤): «أإلهٌ مع الله سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلهًا غير الله يفعل ذلك أو شيئًا منه، فقل لهم يا محمدُ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. أي: حُجَّتكم على أن شيئًا سوى الله يفعل ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم».
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال قتادة:
«مثلٌ ضرَبه الله لمن عدَّل به شيئًا مِن خلقه، يقولُ: أكان أحدُكم مشاركًا مملوكَه في فراشِه وزوجتِه؟! فكذلكم الله لا يرضَى أن يُعْدَلَ به أحدٌ مِن خلقه».
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
قال الطبري:
«﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تنبغي له العبادةُ، إلا الذي فطَر السماواتِ والأرضَ، القادرُ على كلِّ شيءٍ، الذي بيده مفاتحُ الأشياءِ وخزائنُها، ومغالقُ ذلك كلِّه، فلا تعبدوا أيُّها الناسُ شيئًا سواه».
وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال الطبري:
«مَثَّل الله مثلًا للكافر بالله، الذي يعبدُ آلهةً شَتَّى، ويطيعُ جماعةً من الشياطين، والمؤمنِ الذي لا يعبدُ إلا اللهَ الواحدَ»؛ ثم قال في الرجل السَّلَم: «يعني المؤمنَ الموحِّدَ، الذي أخلص عبادتَه لله لا يعبدُ غيره، ولا يَدِينُ لشيءٍ سواه بالربوبية».
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال الطبري:
«فإن مِن حجَّتي على إفرادِي العبادةَ لربِّي، أنه لا شريكَ له في خلقِها، وأنه المنفرِدُ بخلقِها دونَ كلِّ ما سواه».
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾.
قال الطبري:
«﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ يقولُ: أم هم الخالقون هذا الخَلْقَ، فهم لذلك لا يأتمرون لأمرِ اللهِ، ولا ينتهون عمَّا نهاهم عنه؛ لأنَّ للخالقِ الأمرَ والنهيَ؟ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. يقولُ: أَخَلَقوا السماواتِ والأرضَ، فيكونوا هم الخالقين؟ وإنما معنَى ذلك: لم يَخلقوا السماواتِ والأرضَ».
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قال الطبري:
«﴿وَمَحْيَايَ﴾. يقولُ: وحياتي. ﴿وَمَمَاتِي﴾. يقولُ: ووَفاتي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعني: أن ذلك كلَّه له خالصًا دونَ ما أشركتم به أيُّها المشركون مِن الأوثانِ. ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك مِن خلقِه، ولا لشيءٍ منهم فيه نصيبٌ؛ لأنه لا ينبغي أن يكونَ ذلك إلا له خالصًا».
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال الطبري:
«ولقد بَعَثْنا أيُّها الناسُ في كلِّ أمةٍ سلَفَتْ قبلَكم رسولًا، كما بَعَثْنا فيكم، بأنِ اعبدوا اللهَ وحدَه لا شريكَ له، وأفْرِدوا له الطاعةَ، وأخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. يقولُ: وابْعُدوا من الشيطانِ، واحْذَروه أن يُغوِيَكم، ويَصُدَّكم عن سبيلِ الله».
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
قال قتادة:
«كانت اليهودُ والنصارى إذا دخلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشركوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يوحِّدَ اللهَ وحدَه».
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
«كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْأً أَحَدٌ».
قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
«وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤًا أحد».
قال الطبري:
«الرب الذي سألتموني، الله الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا تصلح لشيء سواه».
قال الفراء:
«وهذا من صفاته: أنه واحد».
قال الزجاج:
«أما ﴿هو﴾ فإنما هو كناية عن ذكر الله عز وجل».
قال السمعاني:
«وقوله: ﴿هو﴾ كأنه أشار إلى أن الذي سألتموني عنه هو الله الواحد، فيكون قوله: ﴿الله أحد﴾ تبيينًا وكشفًا لاسم المضمر في قوله: ﴿هو﴾».
قال مقاتل بن سليمان:
«يعني: أحد لا شريك له».
قال البخاري في ترجمة السورة:
«يقال: لا يُنوَّن ﴿أحد﴾، أي: واحد».
حكى الطبري ورجّح:
«وقال آخرون: ﴿أحد﴾ بمعنى: واحد»؛ ثم قال: «وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية».وقال في بيان وحدانية الله: «معنى وحدانية الله معنى نفي الأشباه والأمثال عنه».
قال السمعاني:
«﴿أحد﴾ بمعنى الواحد، وقد فُرِّق بين الأحد والواحد. وقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد… وأكثر المفسرين أنه بمعنى الواحد».
قال ابن تيمية:
«و﴿قل هو الله أحد﴾ اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصًّا، وهي دالة على التوحيد العملي لزومًا… والثاني: أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة، وهذا من مدلول اسمه الأحد».
وقال في تفسيره المستقل للسورة:
«والمقصود هنا: أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده… فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء بوجه من الوجوه… فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير».
وقال:
«فالصمد: السيد المستوجب لصفات الكمال، والأحد: الذي ليس له كفؤ، ولا مثال».
قال ابن القيم:
«فسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه… ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمنت السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه له أو مثل في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه».
قال ابن كثير:
«يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله».
قال محمد بن عبد الوهاب:
«والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في صفات السؤدد؛ فقوله: ﴿أحد﴾ نفي النظير والأمثال، وقوله: ﴿الصمد﴾ إثبات صفات الكمال، وقوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ نفي الصاحبة والعيال، ﴿ولم يكن له كفؤًا أحد﴾ نفي الشركاء لذي الجلال».