حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن».
من فضائل الآيات والسور
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن
الحكم على الحديث
حديث صحيح؛ ومدار هذه القصة على مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري. رواه عن مالك جماعة من أصحابه بالوجه المختصر، ورواه إسماعيل بن جعفر عنه بزيادة قتادة بن النعمان في الإسناد وزيادة في السياق، والوجهان صحيحان. وأما الطريق الذي سمّى قتادة بن النعمان قارئًا للسورة فمداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف.
اختلاف الرواية
الوجه المزيد الصحيح في الإسناد والسياق صحيح
قال البخاري: وزاد أبو معمر: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: أخبرني أخي قتادة بن النعمان: «أن رجلًا قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يقرأ من السحر ﴿قل هو الله أحد﴾ لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم»، نحوه.
هذه الزيادة ليست من رواية «الموطأ» المشهورة، وإنما جاءت من رواية إسماعيل بن جعفر عن مالك؛ علّقها البخاري بصيغة الجزم عقب حديث رقم ٥٠١٣، وذكرها أيضًا في حديث رقم ٧٣٧٤، ووصلها النسائي وأبو يعلى والطحاوي والبيهقي والفسوي من طريق أبي معمر إسماعيل بن إبراهيم، ومحمد بن جهضم، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث في «الموطأ» عند جماعة رواته فيما علمت، لم يتجاوز به أبا سعيد.
قال أبو حاتم: كذا رواه إسماعيل بن جعفر، وهو صحيح، ورواه جماعة من أصحاب مالك، عن مالك، يقصرون به.
قال الدارقطني: وخالفهم إسماعيل بن جعفر، وأبو صفوان الأموي عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، وعباد بن صهيب، فرووه عن مالك… عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن النعمان… والقول قول أبي معمر القطيعي، عن إسماعيل بن جعفر، وهو الصواب.
لم يبق في المصادر التي بين أيدينا اليوم إسناد كامل مستقل إلى أبي صفوان وعباد في هذا الخبر؛ وإنما حفظ الدارقطني ذكر روايتهما في سياق نقد الاختلاف. فأبو صفوان ثقة، وعباد بن صهيب متروك، ولذلك أُظهرت روايتاهما في مخطط تخريج الحديث بخط منقّط، على جهة الحكاية النقدية، لا على أنهما طريقان موصولان في رتبة رواية إسماعيل بن جعفر.
مراجع هذا الوجه
صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، حديثا رقم ٥٠١٣ و٧٣٧٤؛ والسنن الكبرى، للنسائي، ج٩، ص٢٥٨-٢٥٩، حديثا رقم ١٠٤٦٧ و١٠٤٦٨؛ ومسند أبي يعلى، ج٣، ص١١٩، حديث رقم ١٥٤٨؛ وشرح مشكل الآثار، للطحاوي، ج٣، ص٢٥١-٢٥٢، حديثا رقم ١٢١٧ و١٢١٨؛ والسنن الكبير، للبيهقي، ج٥، ص٤٠٦-٤٠٧، حديث رقم ٤٨٢٦؛ والمعرفة والتاريخ، للفسوي، ج١، ص٣٢٠.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ج١٢، ص٢٠٥-٢٠٩؛ وعلل الحديث، لابن أبي حاتم، ج٤، ص٦٣٦-٦٣٧، مسألة رقم ١٦٩٥؛ وعلل الدارقطني، ج١١، ص٢٨٢-٢٨٣، سؤال رقم ٢٢٨٥.
طريق ضعيف في تسمية القارئ ضعيف
قال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ﴿قل هو الله أحد﴾، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي نفسي بيده، لتعدل نصف القرآن أو ثلثه».
إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن وهب في «تفسير القرآن من الجامع»، وابن بشكوال من طريقين يرجعان إلى ابن لهيعة؛ فلا يثبت به تعيين قتادة قارئًا، ولا لفظ «نصف القرآن».
قال ابن عبد البر: «أو نصفه» شك من المحدّث… لفظة غير محفوظة في هذا الحديث ولا في غيره، والمحفوظ الثابت الصحيح… أنها تعدل ثلث القرآن دون شك.
مراجع هذا الطريق
مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج١٧، حديث رقم ١١١١٥؛ وتفسير القرآن من الجامع، لعبد الله بن وهب، حديث رقم ٦٣؛ وغوامض الأسماء المبهمة، لابن بشكوال، ج١، ص٨٥؛ والتمهيد، لابن عبد البر، ج١٢، ص٢٠٥-٢٠٩، وج١٩، ص٢٢٨.
فقه الحديث
إعداد موقع أهل الحديث
من أقوال أهل العلم
قوله «وكأن الرجل يتقالها»
قال ابن حجر:
قوله: «يتقالها» بتشديد اللام، وأصله يتقاللها؛ أي يعتقد أنها قليلة، وفي رواية ابن الطباع المذكورة: كأنه يقللها، وفي رواية يحيى القطان، عن مالك: فكأنه استقلها، والمراد استقلال العمل لا التنقيص.
قوله «إنها لتعدل ثلث القرآن»
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قل هو الله أحد﴾ جزءًا من أجزاء القرآن».
سأل إسحاق بن منصور الإمام أحمد:
قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن»؟ فلم يقم لي على أمر بين.
قال ابن عبد البر:
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ونحن نقول بما ثبت عنه، ولا نعدوه، ونكل ما جهلنا من معناه إليه صلى الله عليه وسلم، فبه علمنا ما علمنا، وهو المبين عن الله مراده، والقرآن عندنا مع هذا كله كلام الله، وصفة من صفاته ليس بمخلوق، ولا ندري لم تعدل ثلث القرآن، والله يتفضل بما يشاء على عباده.
روى ابن الضريس عن قتادة:
أخبرنا العباس بن الوليد النرسي، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، في قوله عز وجل: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾، قال: هي سورة خالصة لله، ليس فيها ذكر شيء من أمر الدنيا والآخرة.
قال البيهقي:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سألت أبا العباس بن سريج، قلت: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن؟» قال: «إن القرآن أنزل أثلاثًا: ثلث منها أحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها الأسماء والصفات، وقد جمع في ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات، فقيل: إنها ثلث القرآن».
قال ابن تيمية:
فقد قيل فيه وجوه، أحسنها - والله أعلم - الجواب المنقول عن الإمام أبي العباس ابن سريج.
قال أبو العباس القرطبي:
إن القرآن بالنسبة إلى معانيه الكلية على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وأوصاف لله. و﴿قل هو الله أحد﴾ تشتمل على ذكر أوصاف الحق سبحانه وتعالى، فكانت ثلثًا من هذه الجهة.
قال ابن القيم:
فسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم صمديته وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمنت السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه له أو مثل في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك.ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه. فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن.
قال إسحاق بن راهويه:
إنما معنى ذلك أن جعل الله عز وجل لكلامه فضلًا على سائر الكلام، ثم فضل بعض كلامه على بعض، فجعل لبعضه ثوابًا أضعاف ما جعل لغيره من كلامه. فـ﴿قل هو الله أحد﴾ إنما تعدل ثلث القرآن؛ أي: لتحريض النبي صلى الله عليه وسلم أمته على تعليمه وكثرة قراءته، وليس معناه أن لو قرأ القرآن من أوله إلى آخره أن قراءة ثلاث مرات ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ذلك، لا ولو قرأ أكثر من مائتي مرة. وكذلك قراءة سائر السور فضل بعضها على بعض، وجعل ثواب بعضها أكثر من ثواب بعض، ولكن فيما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان أن كل قراءة قدر هذه السور التي فضلت وبين ثوابها لا يعدلها شيء من القرآن إذا كان كقدره.
قال الطحاوي:
ففي هذه الأحاديث أن ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلث القرآن، بمعنى أنها ثلث القرآن بالثواب بها، وقد روي أنها تعدل ثلث القرآن.
قال ابن حبان في ترجمة الحديث:
ذكر تفضل الله جل وعلا على قارئ سورة الإخلاص بإعطائه أجر قراءة ثلث القرآن.
قال الخطابي:
وقوله: «إنها لتعدل ثلث القرآن»، أي: في الفضيلة والأجر… وإنما فضلت هذه السورة في فضل ثوابها؛ إذ هي سورة الإخلاص، ليس فيها شيء من العمل، إنما هي التوحيد والتفريد لا غير.
قال القنازعي:
ذكر الله عز وجل في ﴿قل هو الله أحد﴾ وحدانيته وصمدانيته، وأنه ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد﴾، ثم تفضل على قارئها أن أعطاه من الأجر مثل ما أعطى لمن قرأ ثلث القرآن.
قال ابن رجب:
ويستدل به على أن المراد بكونها تعدل ثلث القرآن أجره وثوابه، كما يستدل بحديث أبي الدرداء المتقدم على أنها جزء التوحيد من القرآن، وأنه ثلاثة أجزاء: توحيد، وتشريع، وقصص.
قال ابن تيمية:
والفاتحة فيها من المنافع: ثناء ودعاء، مما يحتاج الناس إليه، ما لا تقوم ﴿قل هو الله أحد﴾ مقامه في ذلك، وإن كان أجرها عظيمًا… ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة لم تصح صلاته، ولو قدر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة لم تصح صلاته؛ لأن معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لا بد للعباد منها.
قال ابن تيمية:
فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص، وإن كان التوحيد أعظم من ذلك. فإذا قرأ الإنسان ﴿قل هو الله أحد﴾ حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث القرآن؛ لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص، فلا تسد ﴿قل هو الله أحد﴾ مسد ذلك، ولا تقوم مقامه.فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة؛ لتنوع الثواب، وإن كان قارئ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاثًا يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب، لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها العبد.
قال ابن تيمية:
ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد يختلف باختلاف حال الرجل؛ فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر، والصلاة بخشوع وحضور قلب أفضل من الصلاة بدون ذلك.فإذا قيل: إن ﴿قل هو الله أحد﴾ يعدل ثوابها ثواب ثلث القرآن، فلا بد من اعتبار التماثل في سائر الصفات، وإلا فإذا اعتبر قراءة غيرها مع التدبر والخشوع بقراءتها مع الغفلة والجهل لم يكن الأمر كذلك.