فضائل سور القرآن

من حديث عائشة رضي الله عنها

أخبروه أن الله يحبه

حدثنا ، حدثنا ، حدثنا ، حدثنا ، عن ، أن حدثه، عن أمه ، وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك. فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه».

الحكم على الحديث

حديث صحيح، متفق عليه، وإسناد رواية أحمد بن صالح المثبتة هنا محفوظ عن ابن وهب، وقد تابعه عنه غير واحد. ويرويه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة رضي الله عنها. وأبو الرجال وعمرة ثقتان، وسماع عمرة من عائشة وسماع أبي الرجال من أمه ثابتان في غير هذا الخبر، وقد صرح أبو الرجال بتحديث سعيد به. وأصل سماع عمرو من سعيد ثابت أيضا؛ وتبقى صيغة هذا الخبر بينهما «عن» كما وردت، فلا تبدل بتصريح مأخوذ من حديث آخر.

وتكلم أحمد في ، فقال في رواية الأثرم: «يخلط في الأحاديث». وقال ابن سعد: «ثقة إن شاء الله»، ووثقه العجلي، وقال أبو حاتم: «لا بأس به». واعترض ابن حزم على لفظ «صفة الرحمن» في هذا الخبر، وذكر تخليط سعيد عن يحيى وأحمد. فأما قول أحمد فله أصل، وليس فيه تعيين اختلاط طارئ ولا تاريخ له؛ وأما نسبته إلى يحيى فلم يتعين أصلها في المصادر المتقدمة المراجعة، فلا تعد جرحا آخر مستقلا بمجرد حكاية ابن حزم لها.

والراجح قبول هذا الحديث: فرواية سعيد هنا عن شيخ صرح بتحديثه، والإسناد متصل، وليس في النقد المذكور بيان خطأ بعينه في هذا الخبر أو مخالفة لمن هو أحفظ منه، وقد احتج به البخاري ومسلم بهذا اللفظ. فلا يعل بمجرد حمل «يخلط» على اختلاط مؤرخ لم يثبت، ولا يهدر نقد أحمد العام. وكذلك جرح النسائي لأحمد بن صالح محفوظ في بطاقته، لكن توثيق غيره له وموافقة أصحاب ابن وهب له في هذا الخبر يدفعان إعلاله به.

وأما فوثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي. وفي سؤال أبي داود لأحمد تقريبه من الليث في صحة الحديث؛ وروي عن أحمد أيضا نقد لبعض حديثه، منه كلام عام، ومنه ما قيد بروايته عن قتادة. وهذه النقول متفاوتة في طرقها كما بين في بطاقته، ولم يتعين فيها خطأ في روايته لهذا الخبر عن سعيد؛ فلا يخلط نقد روايته عن قتادة بروايته عن سعيد، ولا يختزل جميع النقد المنقول في قتادة.

وهذه الطرق، وإن تعددت، فإنها تجتمع عند ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال؛ فليس في تعددها متابعة لسعيد. والحكم هنا بصحة الخبر من هذا الإسناد، لا بتحسينه لمجرد كثرة الكتب التي روته. وتبقى أسانيد بعض المصادر المتأخرة على ما فيها من القيود، كما تبين في بطاقات طرقها.

طرق الحديث واختلاف ألفاظه

مداره وروايات أصحاب ابن وهب

يرويه عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة، عن عائشة رضي الله عنها. ورواه عن عمرو عبد الله بن وهب، وعنه جماعة: أحمد بن صالح، وأحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، وسليمان بن داود المهري، وحرملة بن يحيى، وعيسى بن إبراهيم. فالطرق المذكورة تلتقي عند ابن وهب، وليس تعدد المصنفات شواهد مستقلة عن سعيد أو أبي الرجال.

فرواية أحمد بن صالح عند البخاري، وعند ابن منده في «التوحيد»، والخلال في «فضائل سورة الإخلاص»، والبيهقي في «الأسماء والصفات» من طريق ابن أبي داود، وعند الضياء من طريق إسماعيل بن عبد الله سمويه. ورواية ابن أخي ابن وهب عند مسلم وأبي عوانة، وعند البيهقي من طريق أحمد بن سهل بن بحر. ورواية سليمان بن داود عند النسائي في «المجتبى» وموضعين من «السنن الكبرى»، وفي «عمل اليوم والليلة»؛ وهذه المواضع ترجع إلى شيخ واحد للنسائي. ورواية حرملة عند ابن حبان وأبي نعيم والبيهقي. وجمع أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري رواية عيسى بن إبراهيم ورواية ابن أخي ابن وهب؛ ومنها الطريق عند قوام السنة في «العوالي الموافقات»، والطريق المطبوع في آخر «مشيخة السكري».

ألفاظ الختم والمحبة

لفظ البخاري: «وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقل هو الله أحد»، وفي رواية مسلم والنسائي: «في صلاتهم». واتفق هذا السياق على أن الرجل علل فعله بأنها صفة الرحمن وبمحبته قراءتها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخبروه أن الله يحبه». فهذه الجمل محفوظة في الروايات التامة، ولا يعارضها اختصار ابن حبان؛ إذ أسقط لفظ الختم وذكر صفة الرحمن، وأبقى محبة القراءة والبشارة بمحبة الله.

وعند البيهقي من طريق ابن أبي داود: «وكان لا يقرأ بأصحابه في صلاتهم، تعني يختم، إلا بقل هو الله أحد». ثم ذكر البيهقي لفظ البخاري في الختم. فهذا سياق مفسر للختم، لا حجة فيه على أنه كان يقتصر على الإخلاص في جميع قراءته. ولفظة «تعني» لا يعين هذا الموضع قائلها، فلا تنسب إلى عائشة رضي الله عنها جزما.

وساق الضياء لفظين، فنسب الأول إلى أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب، ثم ذكر لرواية أحمد بن صالح: «فكان يؤمهم فيختم»، وفيها خطاب الرجل: «لم ذاك؟»، وجوابه: «إني أحبها». ويحفظ هذا اللفظ لطريقه، ولا يركب منه ومن لفظ الصحيحين سياق واحد. ولا يغير اختلاف الاختصار أصل البشارة، ولا يسوغ نقل تفاصيل قصة إمام قباء إلى خبر السرية.

حدود الطرق المتأخرة

طرق المصنفات المتأخرة متفاوتة في حملتها وفي سلامة النص المطبوع. فأما عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني، شيخ الضياء في هذا الطريق، فنقل الذهبي عن ابن النجار قوله: «سماعاته بخطوط المعروفين صحيحة، فأما ما كان بخطه، فلا يعتمد عليه، كان يلحق اسمه في الطباق». والطباق سجلات إثبات السماع وأسماء حاضريه؛ ففرق ابن النجار بين ما أثبتته خطوط المعروفين وما كتبه السمعاني لنفسه.

وذكر الذهبي في ترجمة ابن الفراوي أن السمعاني سمع منه جميع مسند أبي عوانة، وأن رواية الفراوي من كتاب فضائل القرآن إلى آخر المسند عن فاطمة بنت الدقاق، وهي شيخته في هذا الإسناد. فلا يقتضي النقد المتقدم نفي سماع السمعاني لهذا الكتاب، ولا يتعين به أن هذا الخبر من السماعات التي ألحق اسمه فيها.

وفي مطبوع «العوالي الموافقات» لم تتكرر عبارة «عن عائشة» بعد ذكر كون عمرة في حجرها، بخلاف الأصول التامة، فيبين موضع الاختصار أو السقط ولا يستدرك سرا. وفي الطريق المطبوع آخر «مشيخة السكري» اضطراب في عبارة القراءة والختم، وفوقه ابن سويد الذي تكلم الخطيب في بعض سماعاته. وهذه قيود في روايات بأعيانها، لا تعل بها الرواية المحفوظة عند البخاري ومسلم والنسائي.

اختلاف الروايات في صدر إسناد البخاري

رواية الأكثر، كما حكاها ابن حجر: «حدثنا أحمد بن صالح»، ليس فيها محمد؛ وبها جزم أبو نعيم في المستخرج وأبو مسعود في الأطراف. وفي بعض الروايات «حدثنا محمد حدثنا أحمد بن صالح»، ومنها لفظ الطبعة المنقول هنا؛ فحفظ كما ورد، دون ترجيح إثبات الواسطة بمجرد اختياره.

وأما محمد في الرواية التي أثبتته شيخا للبخاري، فحسبه الكلاباذي الذهلي، وقوى ابن خلفون هذا التعيين. وثبوت رواية الذهلي عن أحمد بن صالح في خبر آخر يؤيد إمكانه، ولا يثبت أنه واسطة في هذا الخبر بعينه. وتفصيل الاختلاف في بطاقة ، ولـ ترجمة مستقلة في بيان حاله وأقوال النقاد فيه.

فقه الحديث

إعداد موقع أهل الحديث

فوائد الحديث وكلام أهل العلم فيه

معنى «صفة الرحمن»

قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ١–٤]. فالسورة تثبت أن الله واحد لا نظير له، وأنه الصمد، وتنفي عنه الولد والوالد والكفء. ومن معاني الصمد أنه السيد الذي يُقصد في الحوائج، كما بيّن ابن تيمية في تفسير السورة. فجمعت إثبات كماله وتنزيهه عما لا يليق به، وهذا هو المعنى الذي أحبه الرجل فيها.

وقوله: «لأنها صفة الرحمن» معناه أنها تصف الله بما أخبر به عن نفسه. وليس المراد أنها تسرد كل اسم وصفة وردا في الوحي، ولا أن سائر القرآن يخلو من وصف الله؛ وإنما اختص موضوعها بتوحيده ووصفه. وقد استدل ابن تيمية بإقرار الرجل على صحة تسمية ما يخبر به القرآن عن الله صفة له.

وهذه العبارة من كلام الرجل الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تنقل على أنها لفظ ابتدأ به النبي صلى الله عليه وسلم. فموضع الحجة إقراره لهذا الوصف، ثم بشارته لصاحبه بمحبة الله له.

واعترض ابن حزم على الاستدلال بهذا اللفظ، وضعف سعيد بن أبي هلال، ونسب تخليطه إلى يحيى وأحمد. ويقتضي الإنصاف حفظ هذا الاعتراض مع تمييزه من الأخبار المسندة عن النقاد: فالمنقول عن أحمد في أصل الأثرم نقد لحفظه، ولا يتضمن تعيين زمن اختلاط له، ولا ثبوت أن هذا الحديث روي في حال تغير. وقد أخرج البخاري ومسلم هذا الخبر بلفظ «صفة الرحمن»، وتعقب ابن حجر تضعيف ابن حزم له. وتفصيل الموازنة في الحكم وبطاقة سعيد؛ فلا يجعل مجرد حكاية الاختلاط علة ثابتة لهذا اللفظ.

المحبة التي حملته على القراءة

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فجعل اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم طريقا إلى محبته؛ فلا تنفصل دعوى المحبة عن الإيمان والطاعة.

وقال الرجل في خبر السرية: «لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها»، فكان الجواب النبوي: «أخبروه أن الله يحبه». فصرح بمحبة تلاوتها، وبيّن باعثه على ذلك: ما تضمنته من وصف الله تعالى. فمحبة السورة ومحبة المعنى الذي دلت عليه متصلتان في جوابه، ولم يعلل اختياره بمجرد قصرها أو خفة قراءتها.

وهذه بشارة لرجل بعينه، وفيها فضيلة محبة السورة وتلاوتها من أجل ما دلت عليه من صفات الله. وقد استدل ابن تيمية بالخبر على محبة الله لمن يحب ذكر صفاته. ولا تتضمن هذه البشارة عددا مخصوصا من القراءات يستحق به كل قارئ شهادة معينة، ولا أن مجرد التلفظ بدعوى المحبة يغني عن الاتباع.

محبة الله لعبده وآثارها

قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ففي الأولى إثبات المحبة، وفي الثانية إثبات الصفات مع نفي المماثلة. وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله يحبه»؛ قال ابن تيمية: «له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به». فلا تقاس محبته بمحبة المخلوق، ولا يجعل ما ينشأ عنها من الإنعام والتوفيق هو جميع معناها؛ فإثبات الصفة غير بيان آثارها.

ومن بيان آثار هذه المحبة حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». فذكر أداء الفرائض والتقرب بالنوافل، وما يثمره ذلك من محبة الله وعنايته بعبده؛ وهو حديث آخر يبين معنى البشارة، وليس من ألفاظ خبر السرية.

قال ابن تيمية في تفسير هذا الحديث: «فإن ولي الله لكمال محبته لله وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله وعمله لله وبالله»؛ فيحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه، ويكون في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل.

وقال أبو يعلى في معنى «كنت سمعه»: «كنت له في العون والنصرة، كبصره ويده ورجله»، واستدل بقوله في أول الحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب».

وبيّن ابن رجب أن التقرب بالفرائض ثم بالنوافل يورث العبد مراقبة ربه ومحبته وتعظيمه، حتى تستقيم جوارحه على طاعته؛ فهذا معنى التوفيق في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، وليس المراد حلول الله في العبد أو اتحاد الخالق بالمخلوق. وفي تتمة الحديث وعد بإجابة سؤاله وإعاذته؛ وهي من آثار المحبة والعناية، فلا تجعل هذه الآثار بديلا عن إثبات المحبة نفسها. ولبيان الفرق بين المحبة وآثارها مدخل موجز في محبة الله لعبده.

الختم بالإخلاص وحدود اللفظ

قول عائشة رضي الله عنها «فيختم بقل هو الله أحد» يدل على قراءة غيرها معها، وعلى جعلها خاتمة لما قرأ. و«قل هو الله أحد» اسم للسورة في هذا السياق، وليس فيه الاقتصار على آيتها الأولى. لكن لفظ خبر السرية لا يصرح بأنه كان يفعل ذلك في كل ركعة.

وظاهر اللفظ أنه يقرأها مع غيرها في ركعة واحدة ويختم بها، وهو الاحتمال الذي قدّمه ابن العطار. لكنه يحتمل أن يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها سورة؛ فلا تكون دلالة الخبر على الجمع في الركعة حينئذ صريحة. وعلى التفسيرين لا يصرح خبر السرية بفعل ذلك في كل ركعة.

وهذه غير صورة إمام قباء في رواية أنس المطولة: فإنه يبدأ بالإخلاص، ثم يقرأ سورة أخرى، ويفعل ذلك في كل ركعة. فبين الخبرين اختلاف في هيئة القراءة والجواب والبشارة؛ فلا تستكمل ألفاظ إحداهما بألفاظ الأخرى، ولا يجزم باتحاد الرجلين. وتفصيل خبر قباء في مقال «إن حبها أدخلك الجنة».

الجمع والتكرار لا يقتضيان هيئة لازمة

أصل الجمع بين سورتين في ركعة ثابت أيضا بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري في السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن. وقد بوّب البخاري له «باب الجمع بين السورتين في الركعة». فدليل الجمع لا ينحصر في احتمال لفظ «فيختم»، وليس في الخبر إسقاط الفاتحة أو إحلال الإخلاص محلها؛ فالكلام في جمع الإخلاص مع سورة أخرى في الركعة.

وروى الدارمي عن أبي المغيرة، عن عتبة بن ضمرة بن حبيب، عن أبيه، أنه كان إذا ختم سورة أتبعها بالإخلاص. وهذا أثر مقبول عن تابعي، يفيد وقوع هذا العمل عند بعض السلف؛ وليس حديثا مرفوعا، ولا لفظه نصا في كل ركعة من الصلاة. فلا يجعل مستقلا بإثبات سنة راتبة بعد كل سورة في جميع الأحوال.

وجواز الجمع غير الحكم بأنه أفضل القراءة في كل صلاة. قال ابن قدامة: «ولا بأس بالجمع بين السور في صلاة النافلة»، وذكر أن المستحب في الفريضة الاقتصار على سورة مع الفاتحة، وحكى روايتين في كراهة الجمع فيها. فموضع الخلاف الذي حكاه في الأفضل والكراهة، وليس حكما ببطلان الصلاة.

وإقرار الرجل على الختم بالإخلاص يدل على جواز فعله مع باعثه المذكور، ولا يتضمن أمرا عاما باتخاذ ذلك هيئة لازمة لكل صلاة، ولا عددا مخصوصا أو فضيلة لعدد لم يرد. كما أن هذا الخبر يثبت فضل الإخلاص ومحبتها، ولا يدل بمجرده على أنها أفضل جميع سور القرآن، ولا على ترك قراءة غيرها.

السؤال عن الباعث والإقرار على العمل

لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بوصف ما صنع الرجل، بل قال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك». فلما علم باعثه أمر بإبلاغه البشارة. وفي ذلك سؤال صاحب الفعل عن قصده حين يكون للقصد أثر في فهم فعله وحكمه. وليس في سؤال أصحابه أنهم اتهموه بسوء قصد، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه قبل معرفة جوابه.

وفي رجوع أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد العمل، ثم سؤاله عن سبب فعل الرجل، رد ما أشكل إلى من يبين حكمه، وسماع تفسير صاحب الفعل قبل الحكم على قصده. فالخبر جمع بين السؤال عن العمل والنظر في الباعث عليه، ثم جاء الإقرار والبشارة.

ولا يستفاد من الواقعة أن حسن النية وحده ينشئ عبادة أو يثبت تخصيصا شرعيا؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». والدليل في خبر السرية إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بعد بيان السبب، مع كون العمل قراءة قرآن في الصلاة؛ فالاستدلال بالفعل المقر عليه يختلف عن الاحتجاج بقصد صاحبه وحده. وبيان موجز لهذا الفرق في المقال المخصص له.

البعوث والسرايا والتأمير عليها

بعث النبي صلى الله عليه وسلم الرجل على سرية، واستنبط ابن العطار من ذلك «استحباب البعوث والسرايا، والتأمير عليهم». وقد عرّف السرية بأنها «الطائفة التي يبعثها الإمام من الجيش»؛ فالكلام هنا في إرسال الإمام البعوث وتدبيره لأمر الجيش.

وكان الرجل يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فاجتمعت له إمارة السرية وإمامة الصلاة. وذكر ابن العطار في فوائد الخبر «أن أميرهم يؤمهم». ومن النصوص المبينة لحق صاحب السلطان قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود عند مسلم: «ولا تَؤُمَّنَّ الرجل في أهله ولا في سلطانه». فيفهم عمل أمير السرية مع سائر النصوص في شروط الإمامة وحقوق أهلها، ولا تجعل الإمارة وحدها مسقطة لشروط إمامة الصلاة.

ولم يسم الرجل في روايات الصحيحين المذكورة. وذكر ابن منده بعد الحديث أنه «كلثوم بن زهدم»، ونسب ذلك إلى ابن عباس من غير إسناد في هذا الموضع. وحكى ابن حجر أسماء متغايرة في هذا التعيين، منها «كرز بن زهدم». فلا يثبت اسم معين بهذه التعليقات وحدها، ولا يتوقف فقه الخبر على تعيينه.

محبة آيات الصفات وقراءتها على العامة

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. فكانت تلاوة الآيات وتعليم الكتاب من مقاصد الرسالة، وجهل المتعلم بها داع إلى تعليمه. وفي خبر السرية قراءة الرجل سورة الإخلاص لأصحابه، ثم إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على قراءتها ومحبة ما فيها من وصف الرحمن.

ويكون التعليم ببيان يفهمه المخاطب؛ فقد قال علي رضي الله عنه، فيما رواه البخاري: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟». فمراعاة فهم السامع تكون بحسن البيان، وباختيار ما يبلغه فهمه من تفصيل العلم؛ ولا يجعل ذلك حجة لمنع تلاوة آيات الله على العامة وتعليمهم إياها.

واستنبط ابن تيمية من خبر السرية استحباب قراءة الآيات التي تتضمن صفات الله، ومحبة الله لمن يحبها. ثم قال: «ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات الصفات في الصلاة الجهرية التي يسمعها العامي وغيره». فهذه حكاية ابن تيمية في موضع استدلاله بالخبر، وتشمل القراءة التي يسمعها عامة المصلين.

وأنكر منع تلاوة هذه الآيات على العامة وتعليمهم إياها، فقال: «وأسوأ أحوال العامة أن يكونوا أميين، فهل يجوز أن ينهى عن أن يتلى على الأميين آيات الله». واحتج بآية الجمعة المتقدمة؛ فالمقصود تعليم ما أخبر الله به عن نفسه على وجه يفهمه المتعلم، وتعظيمه ومحبته على هدى من كتابه.

ولا يلزم من اختصاص رجل بهذه البشارة اختصاصه بأصل المحبة المحمودة؛ يرجى فضلها لكل مؤمن صدق فيها، مع إبقاء الشهادة المعينة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم. وللتوسع: بيان توحيد السورة، ومحبة الله وآثارها، والجمع بين السور، والتمييز بين حسن القصد والتشريع، في المقالات والمداخل المتصلة بهذا الشرح.