الولاية ومحبة الله

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب

حدثني : حدثنا : حدثنا : حدثني ، عن ، عن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته».

الحكم على الحديث

حديث صحيح، وأقوى ما روي فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه بهذا الإسناد، وهو الذي أثبته البخاري في صحيحه، وقال ابن حبان بعد ذكره: «وإنما الصحيح ما ذكرناه». وفي إسناده و، وقد تكلم فيهما بعض النقاد، ووثقهما أو قبلهما آخرون؛ وليس شريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي. وعطاء هو ابن يسار عند المزي، وهو ما رجحه الذهبي وابن حجر، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة في حديث المسكين عند البخاري (رقم ٤٥٣٩).

وقد استنكر الذهبي غرابة لفظه وتفرد شريك به، حتى قال: «لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد»، وعده ابن رجب من غرائب الصحيح. فليس الكلام في مجرد اتصال الإسناد، بل في احتمال الوهم مع التفرد. غير أن ما ذُكر من الغرابة لا يعين خطأ في هذا الخبر، وقد قال ابن معين في خالد وفي شريك، في رواية الدارمي عنه: «ليس به بأس»، وإن روي عنه في شريك تليين أيضًا. فيوزن هذا التعديل بما حفظ من النقد، ويضم إليه قبول البخاري لهذا الحديث بعينه وتصحيح ابن حبان له. والذي يترجح من هذه القرائن قبول رواية أبي هريرة بلفظ البخاري، مع حفظ النقد المتعلق بتفردها؛ فلا تنسب صحة إسنادها إلى اتفاق النقاد.

وللحديث شواهد عن عائشة وأنس وغيرهما، إلا أن أسانيدها متفاوتة، وكثير منها شديد الضعف، وبعضها لا يروي إلا طرفًا من الحديث. وصححه الألباني بمجموع حديث أبي هريرة وما اختاره من شواهده، مع تضعيفه إسناد أبي هريرة منفردًا. وأما كثرة الكتب التي روته من طريق ابن كرامة عن خالد، فلا تزيده طريقًا آخر عند موضع التفرد. وجملة «وما ترددت عن شيء أنا فاعله» محفوظة في رواية البخاري المثبتة هنا؛ قبولها تابع لقبول هذه الرواية، ولا يفتقر إلى تصحيح كل ما روي في معناها، ولا يثبت به ما انفردت به الأسانيد الواهية من زيادات.

طرق الحديث واختلاف ألفاظه

طريق شريك عن عطاء عن أبي هريرة

يرويه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه عن شريك سليمان بن بلال، وعنه خالد بن مخلد، وعن خالد محمد بن عثمان بن كرامة. وحديث ابن كرامة عند البخاري، وعند ابن حبان من طريق محمد بن إسحاق الثقفي عنه، وعند البيهقي في «الزهد الكبير» من طريق الحاكم، عن عبد الله بن سعد، عن الثقفي، عنه؛ وفي «الأسماء والصفات» من طريق الحاكم، عن إبراهيم المزكي، عن الثقفي، عنه.

وحديثه عند أبي نعيم من طريق محمد بن أحمد بن المؤمل ومحمد بن إسحاق السراج، وعند البغوي من طريق الفربري عن البخاري. والثقفي هو السراج نفسه؛ وهذه الطرق تجتمع عند ابن كرامة، فلا ترفع تفرد خالد عن سليمان، ولا تفرد شريك عن عطاء. ووقع اسم ابن كرامة في النص المطبوع من الحلية «محمد بن إسحاق بن كرامة»؛ فحفظ لفظه في نص المصدر، وبُيّن اختلافه عن اسمه في بقية هذه الطرق.

وعطاء في لفظ البخاري غير منسوب، فقيل: ابن أبي رباح، وذكره المزي من حديث عطاء بن يسار، ورجح هذا التعيين الذهبي وابن حجر. وليس هذا الاختلاف طريقين للحديث. وفي الصحيح عن شريك، عن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة، أنهما قالا: «سمعنا أبا هريرة»؛ فثبت أصل سماع عطاء منه، مع إبقاء صيغة «عن عطاء، عن أبي هريرة» في هذا الخبر كما وردت.

ألفاظ حديث أبي هريرة

لفظ البخاري: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»، وعند ابن حبان: «فقد آذاني»؛ ونبه محققوه إلى أن فوقها في الأصل كلمة «كذا»، وقابلوها بلفظ البخاري، وعند البيهقي: «فقد بارزني بالحرب». وفي لفظ أبي نعيم: «من آذى لي وليا»، ثم ذكر الإيذان بالحرب. فهذه ألفاظ مصادر بعينها، لا روايات مستقلة عن شريك.

وفي لفظ البخاري تقديم الفرائض، ثم التقرب بالنوافل، وذكر السمع والبصر واليد والرجل، ثم الوعد بإجابة السؤال والإعاذة، ثم قوله: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته». وليس في هذا اللفظ «ولا بد له منه»، ولا ذكر القلب واللسان. فما جاء من ذلك في غيره يُرد إلى إسناده، ولا يُزاد في نص الصحيح من أجله.

حديث عائشة واختلاف الطريق إلى عروة

يرويه عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها. ورواه عن عبد الواحد حماد وأبو المنذر إسماعيل بن عمر وأبو عامر العقدي؛ وحديث حماد وأبي المنذر عند أحمد، وحديث أبي المنذر عند ابن أبي الدنيا والبيهقي، وحديث أبي عامر عند البزار من رواية محمد بن المثنى عنه. وذكره أبو نعيم أيضا من حديث أبي عامر، وفي لفظ إسناده إليه إشكال؛ فاعتُمد في بيان هذا الطريق إسناد البزار. وعبد الواحد هو ابن ميمون، لا ابن قيس؛ قال البخاري فيه: «منكر الحديث». فلا يصلح هذا الطريق وحده لتصحيح زياداته، ومنها ذكر الفؤاد واللسان في بعض ألفاظه.

ورواه أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، عن عروة، عن عائشة، وعنه إبراهيم بن سويد، وعنه سعيد بن أبي مريم؛ وحديثه عند الطبراني عن هارون بن كامل، عن سعيد. وهذا وجه آخر في الكتاب، وفيه عامة معاني حديث أبي هريرة. وأما هارون فلم يُعثر في المصادر التي روجعت على تعديل صريح له؛ فلا يجزم بصحة هذا الإسناد من أجل وثاقة سائر رجاله. وقد احتمل ابن رجب أن يكون اسم أبي حزرة وقع على الوهم عن أبي حمزة، وهو عبد الواحد؛ ولم يسق على ذلك رواية فاصلة، فيبقى احتمالًا ذكره، ولا يجعل تصحيفًا ثابتًا.

حديث أنس وحدود لفظه

يرويه صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن عبد الكريم الجزري، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله تعالى. وحديثه عند الطبراني من طريق عمر بن سعيد الدمشقي عنه، ولفظه: «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة». وفي صدقة وعمر ضعف؛ وهذا اللفظ لا يشهد وحده لسائر جمل الحديث.

ورواه صدقة أيضا عن هشام الكناني، عن أنس، وعنه الحسن بن يحيى الخشني، وعنه الهيثم بن خارجة والحكم بن موسى؛ وحديثهما عند ابن أبي الدنيا مطولًا؛ وحديث الهيثم عند البيهقي في «الأسماء والصفات» من طريق ابن الأعرابي، عن محمد بن إسماعيل، عنه، وساق منه طرفا. وهشام لا يعرف، وقد تكلم في صدقة والخشني؛ فلا يحتج بما انفرد به هذا الطريق من تفصيل الغنى والفقر والصحة والسقم. والطريقان يلتقيان عند صدقة، فلا تجبر رواية أحد شيخي صدقة ضعف صدقة في الرواية عن الآخر بمجرد اختلاف الاسم بعده.

سائر الشواهد

ورواه علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله عنه. وعنه عثمان بن أبي العاتكة في طريق، وعبيد الله بن زحر في طريق آخر؛ وكلاهما عند الطبراني، والثاني عند البيهقي أيضا. واجتماعهما عند علي لا يزيل ضعفه؛ وقد سئل أبو حاتم عن طريق عثمان فقال: «هذا حديث منكر جدا».

وحديث ميمونة رضي الله عنها عند أبي يعلى من طريق يوسف بن خالد السمتي، عن عمر بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عنها؛ ويوسف متروك متهم، فلا يثبت به لفظ زائد. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الطبراني من طريق عبيد بن كثير التمار، وهو متروك، وفي إسناده رواة لم يتحرر حالهم في المصادر التي روجعت؛ فلا يصلح للتقوية. وذكر ابن رجب حديث علي رضي الله عنه عند الإسماعيلي بإسناد ضعيف؛ ولم يتيسر الوقوف على أصله المسند في المصادر التي روجعت، فلم يُبن عليه حكم ولا رُسم له إسناد مستكمل بالظن.

وجاء عن حذيفة رضي الله عنه حديث في رد المظالم، فيه ذكر السمع والبصر؛ عند أبي نعيم من رواية الطبراني، عن أبي الزنباع، عن إسحاق بن إبراهيم بن رزيق، عن أبي اليمان، عن الأوزاعي، عن عبدة، عن زر، عنه. استجود ابن رجب إسناده مع استغرابه، وضعفه الألباني؛ ولم يتحرر حال إسحاق في هذا الطريق، فلا يستقل بتصحيح ما يشهد له. وليس متنه جميع حديث أبي هريرة.

وفي حديث معاذ رضي الله عنه الوعيد على معاداة أولياء الله، دون سائر هذا السياق. يرويه عيسى بن عبد الرحمن الزرقي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن معاذ. وعيسى منكر الحديث عند أبي حاتم، شبيه بالمتروك؛ فلا يصح هذا الوجه، وإن اختلف الطريق إليه. ورواه الليث عن عياش بن عباس، عن زيد، فلم يذكر عيسى؛ وحديثه عند الحاكم من طريق ابن وهب، وعند الطبراني من طريق عبد الله بن صالح. صححه الحاكم، ووافقه الذهبي في التلخيص، وأعله الألباني بسقوط عيسى، استنادًا إلى رواية نافع بن يزيد، عن عياش، عنه. ورواية عبد الله بن صالح توافق ابن وهب في هذا الموضع؛ فلا يجزم بأن السقوط من الربيع بن سليمان وحده، كما احتمله الألباني. وحذف عيسى مع إثباته في الوجه الآخر موضع نظر، فلم يُعتمد هذا الشاهد لتصحيح حديث أبي هريرة، ولا لتقوية ما زاد على جملة الوعيد.

وروي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة طرف من هذا المعنى، من طريق عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الزرقي، فقال أبو حاتم في أحاديثه عن الزهري: «بواطيل». فلا يجعل ذلك متابعة صحيحة لرواية عطاء. وأما المنقول عن وهب بن منبه في قوله «وما ترددت» فمن بعض كتب الأنبياء التي حكاها، وليس حديثًا مسندًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فقه الحديث

إعداد موقع أهل الحديث

فوائد الحديث وكلام أهل العلم فيه

أولياء الله والإيمان والتقوى

قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢–٦٣]. فالإيمان والتقوى أصل الولاية، وليس مجرد الانتساب إلى الصلاح أو اشتهار الرجل بين الناس دليلا عليها. وهم في الولاية على درجات: فمنهم من يتقرب بأداء الفرائض واجتناب المحرمات، ومنهم من يزيد على ذلك بالنوافل، كما بيّن ابن رجب. فليست الولاية منزلة يسقط معها التكليف.

ولا يلزم من ولاية الرجل أن يكون معصوما من الخطأ؛ فقد بيّن ابن تيمية أن الولي قد يخفى عليه بعض العلم، وأنه لا يجب قبول كل ما يقوله، بل يعرض قوله وعمله على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فمحبة الصالحين وحفظ حقهم لا يقتضيان تصويب خطئهم أو اتباعهم فيما يخالف الدليل.

حرمة معاداة أولياء الله

قوله: «فقد آذنته بالحرب» أي أعلمته بها؛ وهو وعيد شديد لمن عادى ولي الله. وفيه أن الله يتولى نصرة أوليائه، وأن الاعتداء عليهم ليس أمرا هينا. والوعيد من الله على معاداتهم، فلا يستفاد منه إذن لأحد أن يستحل حق غيره أو ينتقم لنفسه بدعوى الولاية.

وأما نصح الصالح إذا أخطأ، أو منعه من ظلم، أو مطالبته بحق، فليس بمجرده من هذه المعاداة. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]؛ فجعل الأمر والنهي من شأن المتوالين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في نصر الظالم: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره»، وقال في صاحب الدين: «فإن لصاحب الحق مقالا». فتعرف المعاداة بما فيها من ظلم وعدوان، ولا يجعل كل خلاف في علم أو حق دنيوي محاربة لولي الله.

الفرائض قبل النوافل

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فجعل اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم طريقا إلى محبة الله لعبده. وفي قوله: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» تقديم الفرائض على التطوع؛ ويدخل فيها فعل الواجبات وترك المحرمات، كما بيّن ابن رجب. فلا يقدم تطوع يفوّت واجبا، ولا يتخذ الإكثار من النوافل عذرا للإقامة على محرم.

والنوافل ما زاد على الفرائض من الطاعات المشروعة، وقوله: «وما يزال» يدل على ملازمتها والاستكثار منها. وليست كثرتها بإضاعة حق النفس أو الأهل؛ فقد قال سلمان لأبي الدرداء: «إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان». وفي صحيح البخاري أيضا: «وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل». فيؤدى الواجب، ويحافظ على ما تيسر من التطوع، على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

محبة الله لعبده وآثارها

قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وفي قوله في الحديث: «حتى أحبه» إثبات لمحبة الله عبده. وهي محبة تليق به سبحانه، لا تماثل محبة المخلوقين؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ولا تجعل المحبة اسما لمجرد الثواب أو التوفيق؛ فهذه من آثارها، وقد فصل الحديث بين محبته لعبده وما يترتب عليها بقوله: «فإذا أحببته». وقد قرر ابن تيمية إثبات المحبة اللائقة بالله، ورد اختزالها في الإرادة أو النعم.

ومن شواهد البشارة بمحبة الله خبر أمير السرية الذي أحب قراءة سورة الإخلاص لأنها صفة الرحمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله يحبه». وقد أفرد خبر أمير السرية بشرح يبين سبب تلك البشارة؛ أما هذا الحديث فيبين التقرب بالفرائض والنوافل وما يكون للمحبوب من التسديد والإعانة.

معنى «كنت سمعه الذي يسمع به»

ذكر السمع والبصر واليد والرجل يجمع إدراك العبد وعمله؛ فإذا كملت محبته لله وطاعته، كان سماعه ونظره وعمله موافقا لما يحبه الله. فسر ابن تيمية ذلك بأن ولي الله، لكمال محبته وطاعته، يكون إدراكه وعمله لله وبالله، ويجعل الله في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل. وبيّن ابن رجب أن التقرب بالفرائض ثم بالنوافل يورث المراقبة ومعرفة الله ومحبته وتعظيمه، فتستقيم الجوارح على طاعته.

وقال أبو يعلى في معنى «كنت سمعه»: «كنت له في العون والنصرة، كبصره ويده ورجله»، واستدل بالوعيد في أول الحديث لمن عادى ولي الله. فتفسير التسديد يبين استقامة عمل العبد، وتفسير العون يبين ما يكون له من إعانة ربه ونصرته.

ولا يدل هذا على حلول الخالق في المخلوق أو اتحاده به؛ فإن الحديث نفسه يثبت ربا يفرض ويحب ويعطي، وعبدا يتقرب ويسأل ويستعيذ. وهذا من وجوه استدلال ابن تيمية بالسياق على بطلان ذلك الفهم. فتبقى العبودية وافتقار العبد إلى ربه، وتلك المنزلة ثمرة الطاعة، لا استغناء عنها.

إجابة السؤال والإعاذة

قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وفي قوله: «وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» وعد بإجابة سؤال وليه وإجارته مما يستعيذ منه. فالسؤال طلب الخير، والاستعاذة طلب الحماية من الشر، وكلاهما عبادة وافتقار؛ لا يسقطان ببلوغ هذه المنزلة.

وليس في الحديث تعيين وقت الإجابة، ولا أن كل مطلوب دنيوي يقع على الصورة التي يختارها السائل. وقد بيّن ابن رجب أن المؤمن قد يسأل ما تكون الخيرة له في غيره، فيعوضه الله خيرا منه. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه ثلاثا، فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة؛ فسأله ألا يجعل بأس أمته بينهم، فمنعه ذلك. وفيه أيضا: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. ما لم يستعجل». فلا يحمل الوعد على دعاء محرم، ولا يجعل تأخر المطلوب دليلا على سقوط الولاية.

كراهة الموت والرفق بالمؤمن

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. فولاية الله لا تمنع الموت، وآخر الحديث يجمع بين وقوعه وكراهة ما يسوء المؤمن: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته». ومعنى مساءته: ما يسوءه؛ ففيه بيان عناية الله بوليه، مع نفاذ قضائه فيه.

وهذا الخبر يثبت على الوجه اللائق بالله، ولا يحمل التردد فيه على الشك أو الجهل بعواقب الأمور. وقد نفى الخطابي التردد وحمل الكلام على المثل؛ وأما أبو يعلى فأثبت ما ورد، ونفى أن يكون بمعنى الفكر والتأمل. وبيّن ابن تيمية أن الموت مراد لله لما سبق به قضاؤه، وهو يكره ما يسوء عبده المؤمن؛ فيكون الشيء مرادا من وجه مكروها من وجه. فهذا بيان للخبر مع حفظ علم الله وكماله، لا تشبيه لتردده بتردد المخلوق الناشئ عن خفاء العاقبة.

وكراهة الموت الجبلية لا تنافي محبة لقاء الله. ففي حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم محبة لقاء الله، قالت عائشة أو بعض أزواجه: «إنا لنكره الموت»، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فأحب ما أمامه وأحب لقاء الله. فكراهة الموت التي يجدها الإنسان بطبعه غير ما يكون عند البشارة من محبة لقاء الله؛ فلا يحمل أحد الخبرين على إبطال الآخر.