منزلته ووصفه بالتدليس
جمع الأئمة لقتادة بين الحفظ والإمامة والثقة، وبين التنبيه على تدليسه؛ فلا يُلغى أحد الوصفين بالآخر.
قال أحمد بن حنبل:
كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئًا إلا حفظه، وقُرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، وكان سليمان التيمي وأيوب يحتاجون إلى حفظه، يسألونه، وكان من العلماء.
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط١، ج٧، ص١٣٣-١٣٥، ترجمة رقم ٧٥٦.
قال أحمد بن عبد الله العجلي:
بصري، تابعي، ثقة.
معرفة الثقات، تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار، ط١، ج٢، ص٢١٥، ترجمة رقم ١٥١٣.
قال النسائي في ذكر المدلسين:
قتادة.
ذكر المدلسين، ص١٢١، رقم ٢.
قال ابن حبان:
وكان من علماء الناس بالقرآن والفقه، وكان من حفاظ أهل زمانه… وكان مدلسًا.
الثقات، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط١، ج٥، ص٣٢٢.
ووضعه ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين، وقال: «كان حافظ عصره، وهو مشهور بالتدليس، وصفه به النسائي وغيره». وهذا تقسيم اصطلاحي متأخر، أما أصل الوصف فمتقدم ثابت.
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر العسقلاني، تحقيق عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، عمّان، ط١، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م، ص٤٣، ترجمة رقم ٩٢.
كيف كان شعبة يميّز مسموع قتادة
فتّش شعبة ألفاظ قتادة، ولم يسوِّ بين قوله «حدثنا» و«سمعت» وبين الصيغ التي لا تفيد السماع الصريح.
قال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت شعبة يقول:
كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: حدثنا وسمعت: حفظته، وإذا قال: حدث فلان، تركته.
المدخل إلى علم السنن للبيهقي، اعتنى به وخرّج نقوله محمد عوامة، دار اليسر ودار المنهاج، ج١، ص٢٥٦، رقم ٥٤٦. ونحوه في تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين، تحقيق أحمد محمد نور سيف، دار المأمون للتراث، ص١٩٢، رقم ٧٠٣.
قال أبو داود، عن شعبة:
كنت أعرف إذا حدثنا قتادة ما سمع مما لم يسمع؛ كان إذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس، وحدثنا الحسن، وحدثنا مطرف، وحدثنا سعيد، وإذا جاء ما لم يسمع يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبو قلابة.
المدخل إلى علم السنن، ج١، ص٢٥٦، رقم ٥٤٧.
قال النضر بن شميل: سمعت شعبة يقول:
كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
المدخل إلى علم السنن، ج١، ص٢٥٦، رقم ٥٤٨.
قال ابن حجر:
وقد تقدم أن رواية شعبة عنه متصلة مطلقًا، عنعن أم لم يعنعن.
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر العسقلاني، تحقيق عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، عمّان، ط١، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م، ص٤٣، ترجمة رقم ٩٢.
وهذا حكم استنبطه ابن حجر من طريقة شعبة في الانتقاء، وليس لفظًا قاله شعبة نفسه.
مراتب أصحاب قتادة
ليس لهم ترتيب واحد مطّرد؛ فقد يتقدم الراوي في الإتقان، ويتقدم غيره في كثرة الحديث، ويتقدم ثالث في تمييز السماع.
قال علي بن المديني:
أصحاب قتادة ثلاثة: سعيد وهشام وشعبة؛ فأما سعيد فأتقنهم، وأما هشام فأكثرهم، وأما شعبة فأعلمهم بما سمع.
ليس بعد هؤلاء أحد مثل همام من كتابه.
المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق أكرم ضياء العمري، ج٢، ص١٤٠-١٤١.
قال يحيى بن معين:
أثبت الناس في قتادة ابن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وشعبة؛ فمن حدثك من هؤلاء الثلاثة الحديث فلا تبالي أن لا تسمعه من غيره.
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ج٤، ص٦٥.
سعيد بن أبي عروبة
مقدَّم في الإتقان قبل اختلاطه. قال أبو حاتم: «كان أعلم الناس بحديث قتادة».
هشام الدستوائي
مقدَّم في كثرة حديث قتادة وطول مجالسته. قال شعبة: «أعلم بحديث قتادة مني، وأكثر له مجالسة مني».
شعبة بن الحجاج
مزيته الأخص علمه بما سمع قتادة وما لم يسمع، وتحريه ألفاظ الأداء.
همام بن يحيى
رأس الطبقة التالية، ولا سيما إذا روى من كتابه.
أبو عوانة وأبان وحماد
جاء ترتيب ابن معين بعد الطبقة الأولى: همام، ثم أبو عوانة، ثم أبان العطار، ثم حماد بن سلمة.
معمر بن راشد
صاحب قديم حافظ، ولا يثبت إدخاله في رتبة عددية مع هؤلاء بغير نص من النقاد.
الجرح والتعديل، ج٤، ص٦٥-٦٦، وج٩، ص٥٩ وص١٠٩؛ والمعرفة والتاريخ، ج٢، ص١٤٠-١٤١.
مواضع نفي السماع وتقييده
الأدق أن يقال: «من روى عنهم ولم يثبت سماعه منهم»؛ لأن نفي السماع يثبت الانقطاع، ولا يثبت وحده تعمد التدليس في كل رواية.
نفي صريح
- قال شعبة: «لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا».
- قال أحمد: «لم يسمع من عبد الله بن الحارث الهاشمي شيئًا؛ لأنه قديم».
- قال أحمد: «لم يسمع من أبي قلابة شيئًا، إنما بلغه عنه».
- قال ابن معين: لم يسمع من ابن أبي مليكة، ولا حميد بن عبد الرحمن الحميري، ولا سليمان بن يسار، ولا أبي قلابة، ولا مسلم بن يسار، ولا رجاء بن حيوة.
- وقال أحمد في عبد الله بن مغفل: «لم يسمع منه»؛ وقال ابن معين مثل ذلك في عبد الرحمن مولى أم برثن.
ألفاظ احتياط لا تُحوَّل إلى جزم
- قال ابن معين في أبي بردة: «لا أعلمه سمع من أبي بردة».
- قال أحمد في ترك يحيى القطان حديث خلاس: «يعني كأنه لم يسمع منه».
- قال يحيى القطان في طاوس: «أراه لم يسمع».
- وقال ابن معين في علي الأزدي وحكيم بن عقال: «لا أدري».
- وتوقف أحمد في بعض ما رُوي عن عبد الله بن سرجس، مع إثبات أبي حاتم أصل لقائه.
مراسيل عن الصحابة
- قال أبو حاتم: «قتادة لم يسمع من أبي موسى».
- وقال: «قتادة عن أبي هريرة مرسل، وقتادة عن عائشة مرسل».
- وقال أبو زرعة: «قتادة عن معقل مرسل».
- وقال أحمد: «ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أنس»، ثم توقف في الرواية الموجودة عن ابن سرجس.
سماع محدود من أبي العالية
قال شعبة: «لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء: قول علي: القضاة ثلاثة، وحديث لا صلاة بعد العصر، وحديث يونس بن متى».
المراسيل لابن أبي حاتم، تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة، ط١، باب قتادة، ص١٦٨-١٧٥، الأرقام ٦١٩-٦٤٠.
قال أحمد في موضع واحد: «فالقاسم وعروة وسالم؟ قال: لم يسمع منهم». والسياق سياق فقهاء المدينة، فالظاهر أن «سالمًا» هنا سالم بن عبد الله، لا سالم بن أبي الجعد؛ فلا يجوز اتخاذ هذا النص نفيًا لسماع قتادة من سالم بن أبي الجعد، وقد ثبت تصريحه بالسماع منه.
الوسائط والصحف والكتابة
تكشف هذه النصوص الفرق بين سماع الشيخ، وبلوغ خبره بواسطة، والوجادة أو القراءة من صحيفة.
وسائط سمّاها النقاد:
قال أحمد في أبي رافع: «أدخل بينه وبين أبي رافع خلاس والحسن». وقال في سليمان بن يسار ومجاهد: «بينهما أبو الخليل». وقال أبو حاتم: «قتادة عن أبي الأحوص مرسل، بينهما مورق».
المراسيل لابن أبي حاتم، ص١٦٩-١٧٤، الأرقام ٦٢٣ و٦٢٧ و٦٣٧.
وفي حديث نبيذ الجر سأل شعبة قتادة عن مصدره:
قال قتادة: حدثنيه أيوب السختياني.
ثم بيّن أيوب لشعبة أنه رواه عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير؛ فالمحفوظ: قتادة، عن أيوب، عن أبي بشر، عن سعيد.
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ج١، ص١٦٩.
قال علي بن المديني:
لم يسمع قتادة من سليمان اليشكري شيئًا، وما روى عنه فمن صحيفة قرأها عليه من سمعها من سليمان اليشكري.
سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني، ص١٦٤، رقم ٢٣٨.
وقال قتادة في صحيفة جابر:
لأنا لصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة.
قال الراوي: «وكانت قرئت عليه». الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط١، ج٧، ص١٧١.
الرواية من صحيفة لا تُسمّى سماعًا من صاحبها، ولا تُسمّى تدليسًا بإطلاق؛ وإنما يثبت التدليس في الخبر المعين إذا ثبت إسقاط الواسطة مع صيغة تحتمل السماع أو توهمه.
التطبيق على حديثي أبي الدرداء
أخرج مسلم الحديثين في موضع واحد، واشتركا في الإسناد من قتادة إلى أبي الدرداء، لكنهما متنان متميزان.
حديث «أيعجز أحدكم…»
رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد. وحفظ عبد بن حميد من طريق سليمان بن داود، عن شعبة، قول قتادة: «سمعت سالم بن أبي الجعد». فالحديث متصل من جهة قتادة، ولا مدخل لاحتمال تدليسه فيه.
حديث «إن الله جزّأ القرآن…»
أخرجه مسلم من طريقي سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار عن قتادة بهذا الإسناد، ولم يقع فيهما تصريح قتادة بالسماع في هذا المتن بعينه. وثبوت سماعه من سالم أصل معتبر، لكنه لا يحوّل كل عنعنة إلى تصريح.
نص التصريح المحفوظ في حديث السؤال:
أخبرنا سليمان بن داود، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد، يحدث عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء.
المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق صبحي البدري السامرائي ومحمود محمد خليل الصعيدي، مكتبة السنة، ط١، ص١٠١، حديث رقم ٢١١. وجاء التصريح كذلك في المخلصيات، ج٢، ص١٧٠-١٧١، حديث رقم ١٢٩٥ (٢٧٦).
شعبة ـ وهو من أجل أصحاب قتادة وأعلمهم بمسموعه ـ هو الراوي عنه في طريق مسلم وطريق عبد بن حميد جميعًا؛ وإنما اختلف الرواة عن شعبة في إظهار لفظ الأداء. فلا يقال إن المشهورين من أصحاب قتادة لم يحفظوا التصريح.
حكم حديث التجزئة:
لم يُنقل ـ فيما بين أيدينا ـ عن ناقد متقدم إعلال حديث التجزئة بعنعنة قتادة؛ بل أودعه مسلم «صحيحه» من طريقين عنه: سعيد بن أبي عروبة، وهو من رؤوس أصحابه، وأبان العطار، وهو ثقة. وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه على مسلم» من طريق أبان، عن ثلاثة من شيوخه، عن مسلم بن إبراهيم، وساق لفظ أبي داود الحراني، ثم قال: «وحديث الباقين بمعناه». ولا يكون تخلّف شعبة أو هشام عن هذا اللفظ علةً في نفسه؛ إذ لا يلزم أن يحمل كل صاحب عن قتادة جميع حديثه.
صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، ج١، ص٥٥٦-٥٥٧، حديث رقم ٨١١؛ والمسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم لأبي عوانة، ط. الجامعة الإسلامية، ج١١، ص١٤٧، حديث رقم ٤٣٨٥؛ وط. دار المعرفة، ج٢، ص٤٨٨، حديث رقم ٣٩٤٤.
موضع كلام الدارقطني:
وقتادة وإن كان ثقة، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه يدلس، ولم يذكر فيه سماعه من سالم، فاشتبه أن يكون بلغه فرواه عنه.
الإلزامات والتتبع، ص٣٧٠، رقم ٢٠٩.
قال الدارقطني هذا في حديث آخر: خبر عمر رضي الله عنه في الثوم والبصل، إذ خالف قتادةَ جماعةٌ فرووه عن سالم، عن عمر مرسلًا. فهو مثال لنقد عنعنة قتادة عند قيام مخالفة إسنادية خاصة، وليس حكمًا على واحد من حديثي أبي الدرداء.
خلاصة التحرير
فلا تُرد عنعنة قتادة لمجرد وصفه بالتدليس، ولا تُجعل في حكم التصريح بالسماع بإطلاق. يُنظر في الشيخ، وثبوت اللقاء، وصيغة الأداء، والواسطة التي كشفها النقاد، والراوي عنه، والمتابعات والمخالفات. وطريق شعبة له مزية خاصة؛ لأنه كان يتحرى ألفاظ قتادة. وأما نفي السماع من شيخ فإثبات للانقطاع في الرواية عنه، وليس وحده برهانًا على تعمد التدليس في كل خبر.
المصادر
- الجرح والتعديل، لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط١.
- المراسيل، لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة، ط١.
- المدخل إلى علم السنن، لأحمد بن الحسين البيهقي، اعتنى به وخرّج نقوله محمد عوامة، دار اليسر ودار المنهاج.
- المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق أكرم ضياء العمري.
- الثقات، لمحمد بن حبان البستي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط١.
- الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط١.
- صحيح مسلم؛ والمنتخب من مسند عبد بن حميد؛ والمخلصيات؛ والإلزامات والتتبع للدارقطني.