كيف ميّز النقاد مسموع قتادة من بلاغاته؟ نصوص الأئمة، وكشف الوسائط، وموازنة الطرق، وتطبيقات في الحديث والتفسير.
نصوص المصادر ثم مناقشة دلالتها • ٣٠ مثالًا تطبيقيًّا • ٧٢ موضعًا موثقًا
١
محل البحث: ثقة الراوي واتصال الخبر
ليس السؤال: هل قتادة ثقة؟ فتوثيقه معروف. السؤال: هل هذا الخبر مما سمعه ممن سمّاه، أم حمله عنه بواسطة؟
قتادة بن دعامة السدوسي البصري من أئمة التابعين في الحديث والتفسير. وقد نقل عنه الأئمة علمًا واسعًا، ووصفوه بالحفظ، واحتجوا بحديثه، ونبّهوا في الوقت نفسه إلى تدليسه وإرساله. فالتوثيق والاتصال حكمان مختلفان: قد يضبط الراوي ما وصل إليه، ثم يرويه بصيغة لا تكشف طريق وصوله كله.
تجمع هذه الدراسة نصوصًا نقدية وأمثلة مفصلة؛ بعضها كُشفت فيه واسطة، وبعضها نُفي فيه سماع خبر مخصوص، وبعضها ثبت فيه السماع أو بقي الخلاف. وليست الأمثلة كلها أحاديث ضعيفة، ولا قائمةً بوقائع تدليس مقطوع بها. والمقصود أن يرى القارئ كيف يُبنى الحكم من الأدلة، وأين يتوقف الدليل.
كان حافظ عصره وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره
وجه الدلالة: جمع الوصفين في ترجمة قتادة، رقم ٩٢؛ فالحفظ لا يمحو البحث في التدليس، والتدليس لا يمحو منزلته في الحفظ.
٢
التدليس والإرسال: ألفاظٌ لا تُسوّى
ضبط المصطلح يمنع أن يتحول كل انقطاع إلى اتهام بالتدليس، أو أن تتحول كل عنعنة إلى واقعة ثابتة منه.
تدليس الإسناد في صورته المشهورة أن يروي الراوي عن شيخ له حديثًا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل الاتصال، مثل «عن» أو «قال»، مع إسقاط من حمله عنه. أما إذا روى عمن عُلم أنه لم يدركه أصلًا، فالانقطاع ظاهر، ويسميه كثير من أهل العلم إرسالًا. وقد تتسع عبارات المتقدمين في «المرسل» فتشمل صورًا يسميها المتأخرون منقطعًا؛ فلا يحمل كلام كل إمام على تقسيم اصطلاحي واحد.
فأما إطلاقه الرواية عمن يعلم أنه لم يلقه أو لم يدركه أصلا فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال وذلك ظاهر وعليه جمهور العلماء
وجه الدلالة: اختار هذا التفريق بعد نقل خلاف في التسمية. لذلك تُعرض روايات قتادة عمن لم يثبت لقاؤه بهم بوصفها منقطعة أو مرسلة بحسب النص، مع بيان الوسائط إن ظهرت.
وجه الدلالة: هذه قاعدة في الاحتجاج بالطريق الذي يحتمل إخفاء واسطة. وتبحث معها القرائن الخاصة، ومنها انتقاء بعض التلاميذ وتصريحات السماع المحفوظة في الطرق الأخرى.
ويختلف «لم يثبت سماعه» عن «ثبت أنه لم يسمع»: الأول قد يكون وصفًا لحدود الأدلة المتاحة، والثاني يستند إلى نفي ناقد أو خبر يكشف طريق التحمل. ويختلفان معًا عن «لم يسمع هذا الحديث»، فهذا لا ينفي سماعه أحاديث أخرى من الشيخ نفسه. أما لفظ «لا أدري» أو «لا أعلمه» فيُحفظ بدرجة التوقف التي قالها صاحبه.
ولا تقتضي كلمة «التدليس» اتهام الراوي بأنه اختلق المتن أو كذب في كل مروياته. محل هذا البحث صيغ الأداء والوسائط والاتصال. وقد تكون الواسطة التي لم تُذكر ثقة معروفة، ثم يبقى لذكرها أثر في دراسة الطريق ومقارنته. ولا ينتقل الباحث من ثبوت وصف نقدي إلى دعوى عن النيات لم ينص عليها الدليل.
٣
قتادة في مراتب المدلسين
تصنيف ابن حجر يفيد في ترتيب مواضع التحري، ويُقرأ مع تطبيقاته وقرائنه، ومع النصوص المتقدمة التي بُني عليها.
من أكثر من التدليس فلم يحتج الائمة من أحاديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي
وجه الدلالة: أدرج قتادة في هذه المرتبة، وترجمته في ص٤٣. وفي ص٥٩ اعتبر رواية شعبة قرينة على السماع؛ فلا يُجتزأ التصنيف وتُهمل القاعدة التي ذكرها صاحبه نفسه.
قتادة بن دعامة السدوسي أحد المشهورين بالتدليس وهو أيضا يكثر من الإرسال
وجه الدلالة: تمييز الإرسال من التدليس حاضر في ترجمة الراوي نفسها. فوجود روايات مرسلة له عن صحابة لا يجعله قد دلّس كل واحد منها بالمعنى الاصطلاحي الأضيق.
النتيجة العملية أن عنعنة قتادة موضع فحص جاد، ولا تكفي فيها حجة التوثيق المجرد. وفي المقابل لا تكفي كلمة «مدلس» لإلغاء حكم ناقد صحّح خبرًا بعينه، أو لإهمال تصريح ثبت في طريق آخر. وتبدأ الدراسة بجمع ألفاظ الحديث وأسانيده، ثم مقابلة ذلك بكلام النقاد في سماع قتادة من شيخه وفي خصوص الخبر.
٤
شعبة وتمييز المسموع: القاعدة وحدودها
من أوضح ما وصلنا في هذا الباب مراقبة شعبة لألفاظ قتادة، وسؤاله عن مصادره، وتمييزه ما سمعه مما بلغه.
وإذا حدث ما لم يسمع قال حدث سليمان بن يسار وحدث أبو قلابة
وجه الدلالة: ذكر قبلها أنه يقول فيما سمعه: حدثنا سعيد بن المسيب، وحدثنا أنس، وحدثنا الحسن، وحدثنا مطرف. المسألة إذن معرفة عملية بمسموعه وصيغ أدائه؛ وليست افتراضًا أن كل صيغة مختصرة تؤدي المعنى نفسه.
وجه الدلالة: أورد البيهقي هذا في معرفة السنن والآثار، رقم ٢٠٤. وهو أصل القاعدة المشهورة في انتقاء شعبة، دون أن يستغني الباحث عن دراسة النصوص المفصلة عنه.
قلت فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة
وجه الدلالة: هذا استنباط ابن حجر من طريقة شعبة، ويُعرض منسوبًا إليه. وليس جملة قالها قتادة، ولا تصريح سماع محفوظًا في لفظ كل إسناد بعينه.
لكن نصوص شعبة نفسها تحفظ استثناءات من استيقاف قتادة على لفظ السماع. ففي الجرح والتعديل، ج١ ص١٧٠، ذكر أنه استثبت منه سبعين حديثًا عن أنس إلا أربعة. وفي الصفحة نفسها ذكر أنه لم يستوقفه على خبر تسوية الصفوف. ودلالة ذلك محددة: لم يقع الاستثبات في هذه المواضع على النحو الذي وصفه في غالب طريقته؛ ولا يلزم أن قتادة لم يسمعها فعلًا.
وجه الدلالة: يمنع هذا تحويل غلبة التحري إلى دعوى أنه سأل عن كل حديث دون استثناء. ولا يصح تحويل عدم السؤال إلى جزم بعدم السماع؛ يأتي المثال مفصلًا مع باقي تطبيقات الباب.
٥
أصحاب قتادة: لماذا يهم اختلاف التلاميذ؟
قوة الراوي في قتادة ليست رتبة عددية واحدة؛ فقد يتقدم في الحفظ، أو سعة الرواية، أو معرفة ما سمعه قتادة.
وجه الدلالة: تفصيل المفاضلة في هذا الموضع وما يليه: سعيد في الإتقان، وهشام في كثرة الحديث، وشعبة في العلم بما سمع قتادة. ولا تساوي هذه الجهات بعضها بعضًا.
وجه الدلالة: قيد «قبل أن يختلط» متعلق بسعيد؛ فلا يُسقط عند تقويم الرواية عنه. وهذا مستقل عن سؤال سماع قتادة من الشيخ الأعلى.
وعند اختلاف شعبة وسعيد وهشام وهمام ومعمر وغيرهم تُجمع الروايات بحسب المتن والشيخ، ويُنظَر في حفظ الراوي وكتابه وزمن الأخذ عنه، وفيمن وافقه ومن خالفه. كثرة الطرق عن قتادة لا تعني تعدد المصادر فوقه: قد يرجع الجميع إلى بلاغ واحد أو صحيفة واحدة، وقد يكشف بعضهم تفصيلًا حذفه اختصار الرواية عند غيره.
ومن ثم فقولنا «رواه جماعة من أصحاب قتادة» يقوّي ثبوت الرواية عنه بحسب حالهم، لكنه لا يحل وحده مشكلة الوصلة بينه وبين شيخه. وكذلك وجود الراوي الأثبت لا يبيح نسبة كل لفظ في طريقه إلى جميع أصحابه. وتعتمد الأمثلة الآتية هذه التفرقة بين الحفظ عن قتادة، وطريق تحمل قتادة نفسه.
٦
كيف كشف السؤال واسطتين؟
حديث نبيذ الجر من أوضح الأمثلة التي تبين ما لا تكشفه صورة الإسناد المختصرة وحدها.
0١
واسطة ثبتت بالسؤال المباشر
النهي عن نبيذ الجر: قتادة عن سعيد بن جبير
روى شعبة خبر النهي عن نبيذ الجر من طريق قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر. فلم يقف عند هذه الصورة، بل سأل قتادة ممن سمعه. فأحاله قتادة إلى أيوب السختياني، وأحاله أيوب إلى أبي بشر، ثم صرّح أبو بشر بسماعه من سعيد. فظهر في طريق قتادة رجلان لم تذكرهما الصورة الأولى.
قال حدثنيه أيوب السختياني، قال شعبة فأتيت أيوب فسألته فقال حدثنيه أبو بشر، قال شعبة فأتيت أبا بشر فسألته فقال أنا سمعت سعيد بن جبير
وجه الدلالة: لم يستخرج شعبة الواسطة من وصف عام، بل تتبع حامل الخبر وسأله. وكشف الواسطة لا يقتضي أنها ضعيفة، ولا أن متن الحديث لا أصل له.
الطريق الذي كشفه السؤال، من الراوي إلى شيخهقتادة ← أيوب السختياني ← أبو بشر ← سعيد بن جبير ← ابن عمر
وفي العلل ومعرفة الرجال لأحمد، ج٣ ص٢٨٤، نفي سماع قتادة من سعيد بن جبير، مع ذكر المكاتبة إليه. فلابد من مراعاة اصطلاح من يفرق بين التدليس عن شيخ مسموع منه وبين الإرسال عمن لم يسمع منه. المثال ثابت الدلالة على سقوط واسطتين في الصورة المختصرة، أما تسميته الدقيقة فتتبع هذا التفصيل، ولا تحتاج فائدة المثال إلى إغفاله. العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٢٨٤ [١٦]
٧
الصحيفة والرواية عن صاحبها
قد يحفظ الراوي صحيفة حفظًا بالغًا، ويبقى السؤال: مَن حملها إليه؟ وهل سمعها من صاحبها أم ممن قرأها عليه؟
لم يسمع قتاده من سليمان اليشكري شيئا وما روى عنه من صحيفة قراءها عليه من سمعها من سليمان اليشكري
وجه الدلالة: فصل بين صاحب الصحيفة ومن قرأها على قتادة. فوجود أصل مكتوب لا يجعل قتادة قد سمعه مباشرة من سليمان.
هذا مثال لطريق تحمل يفوته من لا ينظر إلا في أسماء الإسناد. فالصحيفة قد تحمل علمًا معروفًا، وقد يحفظها قتادة، لكن فحص نسبتها وكيفية وصولها إليه يظل لازمًا إذا أريد الاحتجاج بإسناد معين. ولا تسمى كل رواية من صحيفة تدليسًا بإطلاق؛ إنما يدرس لفظ الأداء، وتسمية حاملها، وما يثبت من السماع أو القراءة أو غيرهما من طرق التحمل.
عن قتادة قال عرضت على سعيد بن المسيب صحيفة جابر فلم ينكر
وجه الدلالة: عرض الصحيفة على عالم وعدم إنكاره شيء، وسماع قتادة لها من جابر شيء آخر. فلا يستبدل أحد النوعين من الدليل بالآخر.
وسبق ثناء أحمد على حفظ قتادة، وأن صحيفة جابر قرئت عليه مرة فحفظها. فالمثال يجمع الإمامة في الحفظ مع الحاجة إلى تحرير المصدر. والقاعدة في الدراسة: الحفظ يثبت الإتقان، والعرض يذكر وجهًا من وجوه تلقي العلم ومراجعته، وأما وصل الرواية بصاحبها فله دليله الخاص. الجرح والتعديل، ج٧، ص١٣٥ [١]
٨
حين تكشف الطرق مصدر الرواية
أول ما يطلب في هذا الباب هو الدليل المتعلق بالخبر نفسه. والنماذج الآتية تتفاوت: منها ما سُمّيت فيه واسطة، ومنها ما دخله اختلاف بين السماع والكتاب، ومنها ما نفى الناقد فيه أصل اللقاء. بيان هذه الفروق جزء من نتيجة البحث.
0٣
روايتان يجب جمعهما في الدراسة
خطبة عياض بن حمار: تسمية الوسائط والتصريح بالسماع
روى هشام الدستوائي عن قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض بن حمار خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها خلق العباد حنفاء وصفة أهل الجنة والنار. وحكى همام أن بعض أصحاب قتادة استنكر سماعه هذه الخطبة من مطرف، فطلبوا إلى أعرابي أن يسأله. وفي رواية أبي عوانة سمى قتادة يزيد بن عبد الله بن الشخير والعلاء بن زياد وشيخًا ثالثًا لم يحفظه همام. وتأتي رواية المسند بنفي السماع وتسمية أربعة. المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم، ج٢١، ص٥٧٩ [١٩]
وجه الدلالة: في الطريق الآخر تصريح بالسماع في الحديث نفسه؛ فلا يصح عرض حكاية همام وإسقاط هذا النص المقابل.
وجمع أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» بين رواية شعبة المصرحة ورواية همام التي تذكر الوسائط، في المسألتين ٢٤٦٩ و٢٤٧٠. فالمادة النقدية هنا أوسع من أن تختصر في عبارة: حديث عياض مدلس. قد يبحث في اختلاف الألفاظ والمجالس، أو يرجح أحد الوجهين، أو يجمع بينهما بسماع لاحق؛ لكن ترتيب السماع زمنيا يحتاج إلى دليل، ولا يصح تقديمه حقيقة تاريخية بمجرد إمكانه. كما أن ثبوت الرواية بواسطة لا يقتضي سقوط أصل المتن إذا ثبت من طريق موصول. العلل ومعرفة الرجال، ج٢، ص٣٣٢ [٢٢]
0٤
واسطة منصوصة وترجيح في تعيين المصدر
أثر سعيد بن المسيب في إقامة أربعة أيام
ذكر الترمذي أن عطاء الخراساني روى عن سعيد بن المسيب أنه إذا أقام أربعا صلى أربعا، وأن قتادة رواه عن سعيد موافقا لعطاء. فسأل البخاري عن هذه الموافقة، فربطها بمصدر رواية قتادة. محل البحث أثر مقطوع من قول التابعي سعيد بن المسيب، وليس حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أخبرنَا قَتَادَة حَدثنِي رجل أَن سعيدا قَالَ أبي وَكَانَ فِي النُّسْخَة عَن الْقَاسِم فَلم يحفظه عَفَّان قَالَ إِذا أَقمت بِأَرْض أَرْبعا فصل أَرْبعا
وجه الدلالة: كشفت هذه الرواية واسطة، وحفظت النسخة اسم القاسم، وإن أبهمه عفان في أدائه.
فائدة المقارنة أن السماع العام من الشيخ لا يثبت سماع كل مسألة منه. ومع ذلك يجب إبقاء تفصيل المصادر: البخاري رجح عطاء، والنسخة التي ذكرها أحمد سمت القاسم. لا يحوّل البحث هذين النصين إلى اسم واحد، ولا يزعم أن تعيين البخاري جزم لا احتمال فيه. القدر المشترك أن الطريق المختصر يحتاج إلى فحص، وأن في الروايات ما يصرح بتلقي هذا الأثر بواسطة. أما الحكم على الإقامة والقصر فبحث فقهي أوسع لا يستقل هذا المثال بحسمه.
0٥
السماع الشفهي ليس الصورة الوحيدة للتحمل
حديث حبيب بن سالم: الواسطة والمكاتبة
في حديث النعمان بن بشير في الرجل يقع على جارية امرأته، ورد طريق سعيد بن أبي عروبة وأيوب عن قتادة عن حبيب بن سالم. ونقل الترمذي اختلاف الأسانيد ثم سأل البخاري عنه. ومهما يكن الحكم الفقهي في الخبر، فالمقصود هنا فحص انتقاله من حبيب إلى قتادة.
وجه الدلالة: هذه قرينة منصوص عليها لاحتمال تلقي الخبر بالمكاتبة، فيجب بحث ثبوتها مع الطريق ذي الواسطة.
لا يستقيم إذن أن تحذف جملة الكتاب، ثم تجعل وجود خالد برهانا على أن كل رواية عن حبيب منقطعة بالطريقة نفسها. كما لا يصح العكس: لفظ «يروى» لا يمنح الكتاب صحة تلقائية، ولا يزيل بقية علل الحديث. يدرس الباحث طريق الكتاب وضبطه، ويفرق بين من قال لم يسمع من فلان، ومن نفى أن يكون تلقى عنه شيئا. وقد ينقل العالم الخبر مرة عن حامل الكتاب، ومرة عن صاحبه على وجه آخر من التحمل؛ وإثبات ذلك في حديث معين يحتاج إلى الرواية التي تبينه.
0٦
النقد متعلق بطريق معين
حديث أبي قلابة: صحيفة واختلاف في أسماء الإسناد
سئل أبو حاتم عن رواية معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس، في حديث «رأيت ربي» الذي يذكر إسباغ الوضوء. فقارنها برواية خالد عن ابن عايش، ثم بين أثر الكتاب الذي وقع إلى قتادة. هذه الطريق محددة بأبي قلابة وخالد، فلا يجوز نقل حكمها بلا بحث إلى كل إسناد في الباب، كطريق قتادة عن عكرمة.
وقتادةُ يُقال: لم يَسْمَعْ من أَبِي قِلابة إِلا أحرفًا؛ فإنه وقع إِلَيْهِ كتابٌ مِنْ كتبِ أَبِي قِلابة
وجه الدلالة: يربط الناقد بين محدودية السماع ومصدر مكتوب؛ ولفظ «يقال» محفوظ في عبارته فلا يستبدل بصيغة جزم من عند الباحث.
ثم تحدث أبو حاتم عن عدم التمييز بين عبد الرحمن بن عايش وابن عباس، ورجح طريق معاذ بن جبل على الوجه الذي ذكره. فالعلة مركبة من كيفية التحمل وضبط أسماء الرواة ومقارنة الأسانيد، وليست مجرد وجود مدلس في السند. ومن ثم يجب الفصل بين سؤال صحة هذا الطريق وسؤال صحة الحديث من طرق أخرى، مع عرض نص الناقد كاملا بالقدر الذي يوضح مأخذه. العلل لابن أبي حاتم، ج١، ص٤٣٥ [٢٧]
٩
السماع بين الاستثناء والشك والتصريح
العبارات النقدية درجات: عدم السؤال ليس نفيا للسماع، والشك ليس جزما بالانقطاع، والتصريح في حديث معين لا يعم أحاديث الشيخ كلها. بهذه المراتب تقرأ روايات شعبة ونصوص الصحيحين.
وجه الدلالة: يثبت النص أنه لم يسأله عن السماع هنا؛ ولا يقول إن قتادة أجاب بالنفي أو سمى واسطة محذوفة.
الفارق مؤثر: من جعل هذا اعترافا بتدليس الحديث نقل الكلام من احتمال إلى جزم لم ينطق به المصدر. ومن أغفل الاستثناء واحتج بقاعدة رواية شعبة وحدها أغفل أيضا نصا خاصا. الطريق المنهجي أن يحفظ الاستثناء ثم تجمع روايات الحديث وصيغ أدائها، وينظر في متابعاته. وعلى هذا تبقى قاعدة عناية شعبة نافعة في البحث، لكنها لا تغني عن النص الخاص حين يوجد، ولا تحول الخبر الصحيح أو الضعيف إلى نتيجة آلية بمجرد اسم الراوي.
0٨
الشك في السماع دون تسمية واسطة
رد سلام أهل الكتاب: شك منقول في الحديث نفسه
أخرج أبو عوانة عن حجاج بن محمد عن شعبة أنه سمع قتادة يحدث عن أنس: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن أهل الكتاب يسلمون عليهم، فأمرهم أن يقولوا: «وعليكم». وفي الرواية نفسها حفظ شعبة ترددا طرأ لقتادة في سماعه هذا الخبر.
قال شعبة: ثمّ شك قتادة في هذا الحديث، هل سمعه من أنس
وجه الدلالة: هذا شك مخصوص بالحديث، وهو أخص من وصف عام بالتدليس، لكنه لا يسمي راويا أسقطه قتادة ولا يجزم بأنه لم يسمعه.
ويذكر حجاج في السياق أن شعبة كان يسأل قتادة في كل حديث عن سماعه من أنس. فالرواية تكشف قيمة الاستثبات، وتدل على أن حفظ الراوي للمتن قد يقترن بتردد في كيفية أخذه. وينبغي أن ينصرف البحث أولا إلى هذا الإسناد وصيغة أدائه، ثم إلى سائر الطرق. أما أصل جواب أهل الكتاب فلا يحكم عليه من هذه العلة الجزئية وحدها. والتحرير الدقيق يقول: ورد شك في سماع هذا الطريق؛ ولا يستبدل به حكما بأن التدليس قد ثبت يقينا.
0٩
انقطاع وصفه النقاد في خبر بعينه
حديث البدن عن سنان بن سلمة: نفي السماع واللقاء
سأل ابن الجنيد يحيى بن معين عن قول يحيى القطان إن قتادة لم يسمع من سنان بن سلمة الهذلي حديث ذؤيب الخزاعي في البدن. فجاء الجواب متعلقا بالشيخ والحديث، مع نفي اللقاء نفسه.
وَهَذَا حَدِيث لم يسمعهُ قَتَادَة من سِنَان بن سَلمَة
وجه الدلالة: ذكر الطريق الذي أخرجه مسلم، وقارن روايات سعيد ومعمر وهمام، ثم نص على عدم السماع.
وأسند الهروي نفي السماع عن القطان وابن معين، ونبه إلى أن قتادة سمع من أخي سنان، موسى بن سلمة. فلا يخلط بين الأخوين في إثبات الاتصال. وبحسب اصطلاح من يقصر التدليس على رواية الراوي عمن لقيه، تكون تسمية هذا انقطاعا أو إرسالا خفيا أدق؛ لأن الناقد نفى اللقاء. ونسبة هذا النقد إلى أصحابه لا تعني أن الدراسة استوفت كل أجوبة المدافعين عن الطريق، وإنما تبين أن النقد فيه نصي معين، وأن وجوده في الصحيح لم يمنع مناقشته عند هؤلاء الأئمة. علل الأحاديث في كتاب الصحيح المسلم بن الحجاج، ص٩٠ [٣٢]
١٠
العنعنة يفسرها التصريح في طريق آخر
النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر
أخرج البخاري عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رجالا مرضيين، أرضاهم عنده عمر، شهدوا بالنهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب. ثم عقب بطريق شعبة في الخبر نفسه.
وجه الدلالة: التصريح يقع عند الحلقة التي يحتاج الباحث إلى إثباتها: قتادة عن أبي العالية.
هذه فائدة جمع الطرق في أبسط صورها. فالعنعنة في رواية هشام لم تعد وحدها كل المادة المتاحة؛ وردت قرينة مباشرة في الطريق الموازي للحديث عينه. ولا يصح إغفالها ثم الاعتراض بأن قتادة مدلس. وفي المقابل لا يستخرج من هذه الرواية أن جميع أحاديث قتادة عن أبي العالية مسموعة، بل يثبت السماع هنا بقدره. ومن الخطأ أيضا الخلط بين تصريح التلميذ بسماعه من قتادة، وتصريح قتادة بسماعه من أبي العالية؛ المطلوب هو الثاني في هذا الموضع، وقد جاء نصه.
١١
سماع معين من مطرف بن عبد الله
«سبوح قدوس رب الملائكة والروح»
روى مسلم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مطرف عن عائشة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». وأتبعه بطريق شعبة الذي يصرح فيه قتادة بالسماع من مطرف. الجامع الصحيح «صحيح مسلم»، ج٢، ص٥١ [٣٤]
وجه الدلالة: اجتمعت العنعنة والتصريح في روايات الدعاء نفسه، وثبت أصل سماع قتادة من مطرف في هذا الخبر.
ويتضح بهذا حد الاستفادة من حكاية خطبة عياض المتقدمة: حتى لو رجح الباحث عدم سماع الخطبة في وجه معين، فلا يجوز أن يستنتج أن قتادة لم يسمع من مطرف شيئا. وكذلك فإن ثبوت سماعه هذا الدعاء لا يحسم بمفرده خلاف الخطبة. كل حديث له مادته الخاصة، وقد يسمع الراوي من الشيخ أحاديث ويتلقى عنه غيرها بواسطة. هذه الملاحظة تمنع تضخيم النقد الجزئي إلى حكم شامل، كما تمنع استعمال السماع الجزئي لإلغاء النقد في سائر المرويات.
١٠
أمثلة تمنع التوسع في نسبة التدليس
قد يزيد راو واسطة، أو يصل مرسلا، أو يحكي قصة فيسوقها الناقد لينكرها. تعيين صاحب الخطأ، وقراءة النص المقابل، والتمييز بين الاحتمال والحكم، شروط لازمة قبل إلحاق المثال بتدليس قتادة.
١٢
زيادة الواسطة لا تستقل بالحكم
ما يقطع الصلاة: رواية بواسطة ورواية سؤال مباشر
حكى الذهبي اختلاف شعبة وهشام من جهة، وهمام من جهة أخرى: الأولان يرويان عن قتادة عن جابر بن زيد، وهمام يذكر صالحا أبا الخليل بينهما. وذكر الذهبي احتمال أن يكون قتادة حدث به مرة عن جابر مدلسا ومرة عن صالح. هذه صيغة احتمال في تفسير اختلاف الطرق، ومقابلها نص في سنن النسائي لا يجوز إسقاطه. سير أعلام النبلاء، ج٨، ص٣٦٤ [٣٦]
عن قتادة قال: قلتُ لجابر بن زيد: ما يقطعُ الصَّلاة؟ قال: كان ابنُ عبَّاسٍ يقول: المرأةُ الحائض، والكلب
وجه الدلالة: لفظ «قلت لجابر» يصرح بالمخاطبة في المسألة نفسها، فيمنع الجزم بالتدليس اعتمادا على وجود أبي الخليل في طريق آخر وحده.
تبقى مسألة أخرى حفظها النسائي: شعبة رفع الخبر، وفيه بحث الرفع والوقف. فلا يدمج اختلاف الرفع مع سؤال السماع كأنهما علة واحدة. الصياغة المنصفة تذكر احتمال الذهبي، ثم التصريح بالمخاطبة، وتبين أن الترجيح يحتاج إلى مجموع الروايات. أما أن تعرض الطريق الطويل ثم تحذف الطريق المصرح بالسؤال، فذلك ينتج يقينا لا تسمح به المادة المجموعة.
١٣
توقف الناقد عن الجزم
حديث الحشوش: احتمال سماعه من شيخين
روى شعبة ومعمر حديث «إن هذه الحشوش محتضرة» عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم. ورواه هشام وسعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد. سأل الترمذي البخاري أي الوجهين أصح، فلم يجعل مجرد اختلاف اسم الشيخ دليلا كافيا على التدليس أو على إسقاط أحدهما.
وجه الدلالة: فتح احتمال تعدد السماع، وحفظ الترمذي توقفه عن الحكم؛ فلا تحول «لعل» إلى تصحيح جازم للطريقين.
فهذا المثال يضع حدا لطريقتين متقابلتين: التسرع في جعل الاختلاف اضطرابا قادحا، والتسرع في تصحيح الجميع بدعوى تعدد الشيوخ. ما أثبته النص هو أن احتمال السماع من كليهما حاضر عند الناقد، وأنه لم يجزم. وإذا أريد بناء حكم نهائي لزم استكمال قرائن الحفظ والاتصال في كل طريق. التوقف هنا نتيجة علمية محددة، وليس فراغا يملؤه الباحث بما يوافق رأيه المسبق.
١٤
قد تكون العلة في الراوي عن قتادة
«إنما الوضوء على من نام مضطجعا»
أخرج أبو داود من طريق أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس خبر النوم، وأنكر زيادة إيجاب الوضوء على من نام مضطجعا. وذكر أن جماعة رووا أول الخبر عن ابن عباس دون هذه الزيادة، ونقل إنكار أحمد على أبي خالد الدالاني. ثم أورد كلام شعبة في مسموع قتادة من أبي العالية. سنن أبي داود، ج١، ص٥٢ [٣٩]سنن أبي داود، ج١، ص٥٢ [٤٠]
وجه الدلالة: وجه هذا الاعتراض إلى الحلقة السابقة لقتادة؛ فلا يصح نقل العلة تلقائيا إلى تدليس قتادة عن أبي العالية.
ونقل البخاري أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة عن ابن عباس من قوله، دون ذكر أبي العالية. إذن يتناول النقد هنا ثبوت الزيادة ورفع الخبر وتركيب الإسناد وسماع الدالاني؛ وقد يجتمع في الطريق أكثر من إشكال. ومن الخطأ اختزال هذه القرائن كلها في عبارة «قتادة عنعن». وليس تعداد شعبة لبعض مسموعاته من أبي العالية تصريحا بأن كل رواية أخرى باطلة؛ ينبغي فهمه في سياقه ومقابلته بما يثبت من التصريح في الأحاديث المعينة.
١٥
اختلاف الطريق لا يحدد المخطئ وحده
قبيعة السيف: نسبة الوهم إلى جرير بن حازم
في حديث أن قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من فضة، حكى أحمد أن جرير بن حازم رواه عن قتادة عن أنس، فاعترض عليه أبو جزي بأن قتادة حدث به عن سعيد بن أبي الحسن. ثم جاء تعيين أحمد لمن أخطأ.
وجه الدلالة: أخذ أحمد بوجه الاعتراض، ونسب الخطأ إلى جرير. هذا هو الحكم المنقول؛ لا يستبدل بحكم من عند الباحث على قتادة.
لو اقتصر العرض على رسم الطريقين، فقد يظن القارئ أن قتادة حذف سعيد بن أبي الحسن ثم نسب الخبر إلى أنس. لكن نص الناقد عيّن الوهم فيمن روى عن قتادة. لذلك لا تكفي الزيادة والنقصان في رسم الإسناد لإثبات التدليس أو لتعيين المدلس؛ إذ قد يقع الوصل من التلميذ أو ممن دونه. ومن شروط التقرير العلمي أن يحفظ نسبة النقد إلى صاحبه وإلى محلها، ولو كان الراوي الذي برئ من هذا الوهم موصوفا بالتدليس في أخبار أخرى.
١٦
القصة المستدل بها تحتاج إلى ثبوت
حكاية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على القبر
تروى حكاية أن شعبة سأل قتادة عن روايته عن الشعبي عن ابن عباس في الصلاة على قبر، فأحاله قتادة إلى عاصم الأحول، وأحاله عاصم إلى الشيباني. وهي تبدو لأول وهلة مثالا مناسبا لتتبع الوسائط، لكن نقلها في أجوبة أبي زرعة جاء في سياق إنكارها.
وجه الدلالة: الحكم الواقع عقب الحكاية إنكار لها. انتزاع الأسئلة والأجوبة وإهمال هذا الحكم يقلب وظيفة النص في مصدره.
ويتابع أبو زرعة الكلام في الذي حدث بها، ويذكر استنكاره لما آل إليه حاله. فلا يصح الاستدلال بالحكاية على تدليس قتادة قبل معالجة هذا النقد الصريح. وهذا يختلف عن خبر نبيذ الجر الذي تتبعه شعبة حتى بلغ أبا بشر: تشابه صورة السؤال لا يجعل الخبرين خبرا واحدا، ولا ينقل ثبوت أحدهما إلى الآخر. ومن تمام البحث أن تختبر أدلة إثبات التدليس كما تختبر أدلة نفيه. أجوبة أبي زرعة الرازي لأسئلة البرذعي، ج٢، ص٥٧٤ [٤٤]
وجه الدلالة: في العبارة تصريحان متتابعان: سماع جرير من قتادة، وسماع قتادة من النضر. الثاني هو الذي يجيب عن سؤال اتصال هذه الحلقة.
يبين هذا المثال كيف تقرأ صيغ السند بدقة: «حدثنا قتادة» وحدها لا تثبت سماع قتادة ممن بعده، أما «قال: حدثني النضر» فتتناول موضع السؤال مباشرة. وفي الوقت نفسه لا ينقل هذا التصريح إلى بقية حلقات السند من النضر إلى بشير بن نهيك ثم أبي هريرة؛ لكل حلقة حكمها ودليلها. وهذه القراءة الموضعية تمنع الاكتفاء بوجود كلمة «حدثنا» في أي مكان من الإسناد، كما تمنع رد خبر جاء فيه التصريح لأن اسم قتادة حاضر فيه.
١١
خريطة الشيوخ: درجات السماع والنفي
ليس كل من روى عنه قتادة شيخًا سمع منه، وليس كل من سمع منه قد تلقى عنه جميع ما يرويه. هذه الخريطة تبين مواضع الإثبات والنفي والتوقف، وأربع مسائل يغيّر جمع النصوص طريقة عرضها.
تتفاوت عبارات النقاد في قوتها ومحلها: «لم يسمع» نفي، و«لا أعلمه سمع» بيان لحدود العلم، و«لا أدري» توقف، و«لم يسمع هذا الحديث» تخصيص لخبر بعينه. وقد يثبت اللقاء ويختلف في سماع الخبر، أو تنتفي المشافهة وتثبت المكاتبة. والجدول الآتي يجمع نماذج من هذه الأحوال، مع نسبة كل حكم إلى مستنده؛ ولا يقصد استيعاب جميع شيوخ قتادة أو الحكم على كل حديث روي عنهم.
نماذج من علاقات قتادة بشيوخه: وصف الدليل وحدوده
الشيخ
نوع الدليل
ما يستفاد منه
أنس بن مالك
سماع ثابت
ذكره شعبة في الشيوخ الذين يقول قتادة في المسموع منهم: «حدثنا». وثبوت أصل السماع لا يغني عن بحث الحديث المعيّن. العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٢٤٢ [٨]
أجاب أحمد بالنفي عن السماع، وذكر الكتابة إلى سعيد. والمكاتبة وجه تحمّل يحتاج إلى تحرير ثبوته وصيغة أدائه. العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٢٨٤ [١٦]
مجاهد بن جبر
نفي السماع وتسمية واسطة
جاء في نقل حرب عن أحمد ذكر أبي الخليل بينهما، مع صيغة «يقال» في صدر الكلام على نفي السماع. يحفظ هذا القيد عند عرض الدليل. المراسيل، ص١٧١ [٤٧]
سليمان بن يسار
نفي السماع
نفى ابن معين سماعه منه؛ وجاء عن أحمد ذكر أبي الخليل بينهما، وعن يحيى القطان نفي السماع كذلك. المراسيل، ص١٧٢ [٤٨]
أبو قلابة
بلاغ لم يسمعه منه
قال أحمد إنه لم يسمع منه شيئًا، وإنما بلغه عنه. وصيغة «حدث فلان» تختلف عن «حدثنا فلان». المراسيل، ص١٧١ [٤٧]
أبو رافع الصائغ
نفي عند شعبة وتصريح في البخاري
نقل أحمد عن شعبة نفي السماع؛ وفي البخاري حديث فيه أن أبا رافع حدث قتادة. تحفظ الروايتان، ولا يجزم بالنفي في جميع حديثه عنه. صحيح البخاري، ج٩، ص١٦٠ [٤٩]
خلاس بن عمرو
سماع مثبت بنصوص صريحة
أثبت أحمد سماعه منه، وساق التصريح من روايات شعبة وأبان وهمام. موضع نقد يحيى في النص المفصل هو خلاس عن علي. العلل ومعرفة الرجال، ج١، ص٥٣١ [٥٠]
أبو العالية الرياحي
سماع بعض الأحاديث
نُقل عن شعبة حصره في ثلاثة أشياء، وذُكرت أعداد أخرى مع التصريح بالسماع. يلزم التفريق بين عدّ المرفوع وعدّ الموقوف. تهذيب التهذيب، ج١٠، ص٧٨٤ [٥١]
نقل أحمد عن شعبة أنه نفى سماع قتادة من أبي رافع، وذكر أحمد رواية قتادة عنه بواسطة الحسن وخلاس. لكن تمام عرض المسألة يقتضي ذكر التصريح المحفوظ في صحيح البخاري. والمراد هنا أبو رافع الصائغ التابعي الراوي عن أبي هريرة. العلل ومعرفة الرجال، ج١، ص٥٢٨ [٥٥]
وجه الدلالة: هذا إخبار مباشر من أبي رافع لقتادة في خبر «رحمتي سبقت غضبي». فلا يلغى التصريح بمجرد نقل نفي عام، كما لا يعمم على كل حديث عن أبي رافع.
تدل المقابلة على أن قائمة الشيوخ لا تكفي وحدها؛ بل تُلحق بها النصوص الخاصة التي قد تفسر النفي أو تقيده. فتبقى الروايات التي يذكر فيها قتادة الحسن أو خلاس على وسائطها، ويحفظ التصريح في هذا الطريق. ومن أراد دعوى انقطاع حديث آخر عنه طلب دليله في ذلك الخبر بعينه، ولم يكتف بعبارة عامة بعد ظهور ما يقابلها.
١٩
نص مختصر يفسره النص المفصل
خلاس بن عمرو: أين يقع الاعتراض في الإسناد؟
ورد في المراسيل نقل عن أحمد أن يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس بن عمرو شيئًا، مع عبارة تفيد كأنه لم يسمع منه. وقد يوهم الاقتصار عليه أن أصل سماع قتادة من خلاس منفي. لكن الرجوع إلى النصوص المفصلة يكشف أن موضع الاعتراض يحتاج إلى تعيين أدق. المراسيل، ص١٦٩ [٥٦]
كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئا وكان يحدث عن قتادة عن خلاس عن غير علي كأنه يتوقى حديث خلاس عن علي وحده
وجه الدلالة: القيد الذي يتغير به الفهم هو «عن علي». النقد في هذا النقل يتعلق برواية خلاس عن علي، وقد كان يحيى يحدث بالطريق عن غير علي.
ويؤيد ذلك موضع آخر من العلل: سئل أحمد هل سمع قتادة من خلاس فأجاب بنعم، ثم ساق خبر إدراك ركعة من صلاة الصبح، وفيه قول قتادة: حدثني خلاس عن أبي رافع. فالقضية مثال عملي على ضرورة جمع كلام الناقد وتحديد الطبقة التي وقع فيها الانقطاع؛ لا على دفع نقده بتوثيق عام. العلل ومعرفة الرجال، ج٢، ص٣٤٣ [٥٧]
٢٠
اختلاف النقل عن الناقد
عبد الله بن سرجس: حفظ روايتي الإثبات والتوقف
لا يصح تقرير أن قتادة لم يسمع من صحابي سوى أنس على أنه قول لا اختلاف فيه. ففي نقل حرب عن أحمد، بعد ذكر روايته عن أنس، جاء السؤال عن ابن سرجس على هذا الوجه:
قيل سمع قتادة من عبد الله بن سرجس قال نعم قد حدث عنه هشام يعني عن قتادة عن عبد الله بن سرجس حديثا واحدا
وجه الدلالة: هذا نص إثبات لا يستقيم إغفاله عند عرض المسألة. وهو يتعلق بأصل السماع وما ذكره أحمد من رواية هشام.
كما استثنى أبو حاتم أنسًا وعبد الله بن سرجس ممن لقيهم قتادة من الصحابة. واللقاء أعم من سماع الحديث المعيّن، لكن وجود هذا النص مع جواب أحمد بالإثبات يمنع اختزال الخلاف إلى نفي مطلق. أما ترجيح طريق خبر بعينه عن ابن سرجس فيحتاج إلى جمع طرقه وألفاظه. المراسيل، ص١٧٥ [٥٣]
سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد المسيب تضعيفا شديدا وقال أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال
وجه الدلالة: التحفظ يتناول كثيرًا من مروياته عن سعيد، ولا يلزم منه نفي أصل السماع الثابت في النص السابق.
وفي المقابل، لا تعدّ كل رواية ذكرت فيها واسطة مثالًا ثبت فيه التدليس؛ فالرواية بواسطة أمر معتاد وقد يكون صاحبها سمع أخبارًا أخرى من الشيخ نفسه. إنما تظهر فائدة هذه النصوص في منع التعميم، وتنبيه الباحث إلى مقارنة طرق الخبر نفسه قبل الجزم بسقوط واسطة فيه.
١٢
تدليس قتادة وتفسيره: أين يقع السؤال؟
كتاب سعيد وخمسة أمثلة من جامع البيان تبين الفرق بين تفسير قتادة نفسه، وروايته عن ابن عباس، وبلاغاته النبوية والقصصية. الإسناد إلى المفسر مرحلة، والإسناد إلى مصدر خبره مرحلة أخرى.
للتفسير في هذا الباب مستويات ينبغي الفصل بينها: طريق المصنّف إلى قتادة، وقول قتادة نفسه في معنى الآية، وخبر يرويه قتادة عن صحابي أو تابعي، وبلاغ يسوقه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو في قصة من قصص الأنبياء. قد يصح الأول ويبقى الرابع مرسلًا. وقد يكون القول تفسيرًا لغويًا لقتادة، فلا يوجد فوقه شيخ محذوف يلزم افتراضه لمجرد وصف قتادة بالتدليس.
٢٢
النسخة المكتوبة وقيد السماع
كتاب سعيد بن أبي عروبة: البحث في الطريق إلى قتادة
سعيد من كبار أصحاب قتادة، ومع ذلك لا تستبدل منزلته بالنظر في كيفية حمله كتاب التفسير. روى ابن أبي حاتم عن أحمد خبر كتابة سعيد للتفسير، ثم حفظ عن يحيى القطان نصًا خاصًا في سماعه له.
وجه الدلالة: هذا قيد خاص بالتفسير، لا نفي لكل سماع سعيد من قتادة. كما أنه متعلق بتلقي سعيد من قتادة، وليس بتدليس قتادة عن شيوخه.
تظهر هنا فائدتان: قد يثبت حمل كتاب أو نسبة نسخة من غير أن تكون طريقة التحمل سماعًا شفهيًا لكل مادتها؛ وقد يكون موضع الإشكال تحت قتادة لا فوقه. لذلك تفحص نسخة التفسير وطريقها، ثم تفحص صيغ قتادة داخلها عند نقله عن غيره. وتفصيل طرق نسخة قتادة في دراسة أسانيد التفسير.
وجه الدلالة: ينتهي التفسير هنا إلى قتادة نفسه، وليس في هذه العبارة ادعاء رواية عن شيخ آخر.
ساق الطبري هذا المعنى من طريق سعيد عن قتادة، ثم ساقه من طريق معمر عنه بلفظ مقارب. والعمل هنا يبدأ بفحص الطريقين إلى قتادة؛ فإذا ثبت القول عنه لم يكن الاعتراض بتدليسه عن شيخ غير مذكور جوابًا عن هذه الصورة، لأن النص يعرض تفسيره هو. ويبقى وزن المعنى باللغة والسياق وأقوال المفسرين بحثًا آخر.
وفي هذا المثال ما يمنع تعميم الحكم على جميع تفسير قتادة: إسناد ينتهي إلى قوله ليس كإسناد يرفع فيه خبرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما أن تعدد الطريق إليه لا يثبت تلقائيًا كل خبر تاريخي أو مرفوع قد يأتي داخل تفسيره. محل النسبة، ثم صيغة النقل، هما ما يحدد موضع السؤال. تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج٢١، ص٥٦١ [٦٢]
٢٤
رواية قتادة عن ابن عباس · الأعراف: ٨٩
«تعال أفاتحك»: تصريح مَن بالسماع؟
روى الطبري خبر ابن عباس في فهم معنى الفتح في قوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، وأنه سمع امرأة تقول: تعال أفاتحك، أي أقاضيك. جاء طريق بصيغة مسعر عن قتادة عن ابن عباس، وجاء طريق آخر يصرح فيه مسعر بالسماع من قتادة:
وجه الدلالة: المصرح بالسماع من قتادة هو مسعر. لا تتضمن العبارة تصريح قتادة بأنه سمع هذا الخبر من ابن عباس.
أهمية المقارنة أن كلمة «سمعت» لا تعمل في الإسناد كله؛ بل تثبت العلاقة التي أسندت إليها. وقد ذكر أبو حاتم أن قتادة لم يلق من الصحابة إلا أنسًا وعبد الله بن سرجس، فلا يستفاد من هذا الطريق إثبات اتصاله بابن عباس. ويعرض الخبر لذلك بوصفه رواية قتادة عنه، مع بيان موضع الانقطاع بحسب هذا النقد. المراسيل، ص١٧٥ [٥٣]
ولا يتوقف تفسير الفتح هنا بمعنى القضاء على صحة هذه الحكاية وحدها؛ فالطبري يناقش المعنى اللغوي أيضًا. الفصل بين صحة المعنى وصحة نسبة الواقعة يحفظ لكل حجة مجالها، ويمنع استعمال استقامة التفسير لتجاوز سؤال الإسناد. تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج١٠، ص٣٢٠ [٦٣]
٢٥
بلاغ صريح · الإسراء: ٣٣
تفسير الآية ثم بلاغ نبوي داخل الأثر
عند قوله تعالى: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ يورد الطبري تفسير قتادة للنهي عن قتل غير القاتل، ثم ينقل في السياق نفسه خبرًا نبويًا فيمن اشتد اعتداؤه في القتل. والانتقال من التفسير إلى الخبر محفوظ في لفظ قتادة:
وجه الدلالة: هذا تصريح بأنه خبر ذكر له، مع عدم تسمية مصدره هنا. الوصف الأولي لهذا الطريق بلاغ مرسل، ولو ثبت الإسناد إلى قتادة.
فلا يصح أن تمتد سلامة الطريق إلى قتادة لتملأ الحلقة التي لم يسمّها هو. كما لا يصح أن يقال إنه صرح بسماع هذا الحديث من صحابي؛ فذلك زيادة على لفظه. إن وجد للحديث إسناد موصول في مصدر آخر درس ذلك الإسناد على حدة، وقد يتقوى به الخبر، لكن البلاغ في هذا الطريق يظل بلاغًا.
وجه الدلالة: تسمية الرجل والتفصيل القصصي جاءا بصيغة ما ذكر لقتادة، من غير تسمية من أخبره في هذا الموضع.
ورد الأثر من طريق بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة. ودراسة هذا الطريق قد تثبت أن قتادة قال هذا الكلام؛ لكنها لا تثبت بمجرد ذلك مصدر التسمية أو التفصيل المذكور عن الغار. فالقرآن ذكر رجلًا يسعى، وهذه الزيادات القصصية تحتاج إلى بحث مستقل إذا أريد الجزم بوقوعها.
والتعبير الأمين عند نقل هذا الموضع أن يقال: ذكر قتادة بلاغًا في تسمية الرجل ووصف حاله. لا ينسب التفصيل إلى الوحي جزمًا، ولا يعدّ لفظ «ذكر لنا» تصريحًا بالمشافهة. وليس في هذا المثال وحده دليل على تعمد إخفاء مصدر بعينه؛ بل صيغته تكشف أنه نقل تلقاه، وتبقي المصدر غير مسمى. تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج١٩، ص٤٢١ [٦٥]
٢٧
موازنة صيغ النقل · يوسف: ٥٢–٥٣
بلاغ واحد في طريقين: «ذكر لنا» و«بلغني»
عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ يروي الطبري قصة خطاب المَلَك ليوسف. تأتي الرواية من طريق سعيد عن قتادة، ثم من طريق معمر عنه، وتدل الصيغتان على تلقي الخبر بواسطة لم تسمّ:
عن معمر عن قتادة قال: بلغني أن الملك قال له حين قال ما قال: أتذكر همك؟
وجه الدلالة: الطريق الثاني يحفظ وصف البلاغ أيضًا؛ فالتعدد هنا يؤيد نسبة هذا الوصف إلى قتادة، ولا يسمّي المصدر الغائب.
لا يتطلب الاستفادة من المثال في نقد الصيغة تبني هذا التأويل للآية؛ فالمقصود بيان حدود ما تقوله الرواية عن مصدر الخبر. إذا اتفق طريقان إلى قتادة على أنه بلغه، لم يصر الخبر متصلًا من جهة ما فوقه لمجرد هذا الاتفاق. وقد يدفع جمع الطرق توهم سماع مباشر لو وقع اختصار لبعض الألفاظ.
وهذه هي فائدة الموازنة في التفسير: تمييز تفسير التابعي، ونقله عن غيره، وقصته المبلغة، مع حفظ الفارق بين ثبوت الكلام إليه وثبوت الواقعة في نفسها. وفي هذا الموضع بقيت صيغتا البلاغ ظاهرتين للقارئ. تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج١٣، ص٢١٤ [٦٦]
١٣
حديثا أبي الدرداء: التصريح والعنعنة
هذا التطبيق يتصل بصفحة «إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء». ويمنع نقلَ صيغةٍ محفوظة في لفظٍ إلى لفظٍ آخر دون بيان.
٢٨
تصريح بالسماع في الحديث نفسه
«أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟»
أخرج مسلم رواية السؤال عن قراءة ثلث القرآن من طريق يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء. هذه صورة معنعنة في وصلة قتادة بسالم، لكن الرواية لا تُدرس معزولة عن الطرق الأخرى. صحيح مسلم، ج١، ص٥٥٦ [٦٧]
عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد، يحدث عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء
وجه الدلالة: أخرج في هذا الطريق متن «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة». فالتصريح متعلق بالخبر محل البحث نفسه، وليس مجرد إثبات سماع قتادة من سالم في حديث آخر.
إذن ثبتت وصلة قتادة بسالم في هذا الحديث بالتصريح، مع كون الراوي عنه شعبة أيضًا. ولا يقال إن التصريح انفرد به تلميذ مغمور لقتادة مخالفًا رؤوس أصحابه: الراوي عنه في الطريقين هو شعبة، والاختلاف في إظهار الصيغة وقع في الرواية عن شعبة. ولا يجوز نقل عنعنة طريق مسلم وحدها إلى حكم بانقطاع الحديث بعد الوقوف على التصريح.
وجه الدلالة: المشار إليهما سعيد بن أبي عروبة وأبان العطار. ثم ساق في حديثهما لفظ «إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء»؛ ولم يذكر في هذين الطريقين تصريح قتادة بالسماع في هذا اللفظ.
أورد مسلم الروايتين في الموضع نفسه وبالإسناد الأعلى نفسه، وربط الثانية بالأولى بعبارة «بهذا الإسناد». وهذا يوجب جمع السياق عند تقويم الحديث. كما يوجب الأمانة في النقل: تُنسب صيغة «سمعت سالمًا» إلى الطريق الذي حفظها، ولا تُدرج داخل لفظ سعيد وأبان وكأنها نُقلت عنهما.
وجود هذا اللفظ في صحيح مسلم، وروايته من طريق سعيد وأبان، مع ثبوت أصل سماع قتادة من سالم، أمور معتبرة في تقويمه. ولا يلزم لإبطال احتمال التدليس أن يكون كل تلميذ قد روى المتن بصيغة السماع نفسها. وفي المقابل لا يُدّعى أننا وقفنا على تصريح مستقل في لفظ التجزئة بعينه لمجرد وجود تصريح في متن السؤال.
لم يُعثر في النصوص النقدية التي جُمعت لهذه الدراسة على إعلال متقدم لهذا اللفظ بعنعنة قتادة. وهذه عبارة تصف حدود ما وُقف عليه، وليست ادعاء استيعاب كل كتب العلل. ولا يجوز أن يُنقل إليه اعتراض الدارقطني الآتي؛ فإنه في خبر آخر له مخالفة إسنادية خاصة.
١٤
الثوم والبصل: موضع اعتراض الدارقطني
خبر عمر في الثوم والبصل مثال لنقد خاص قام على مقارنة الأسانيد؛ وهو مستقل عن حديثي أبي الدرداء.
٣٠
احتمال تدليس عند مخالفة إسنادية معيّنة
قتادة عن سالم عن معدان عن عمر
أخرج مسلم خطبة عمر من طريق هشام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة، ثم أتبعها بطريقي سعيد بن أبي عروبة وشعبة عن قتادة. وفي الخطبة ذكر الثوم والبصل وإبعاد من تؤذي رائحته المصلين. صحيح مسلم، ج١، ص٣٩٦ [٧٠]؛ صحيح مسلم، ج١، ص٣٩٧ [٧١]
وقد خالف قتادة في إسنادة ثلاثة رووه عن سالم بن أبي الجعد عن عمر مرسلا، لم يذكروا فيه معدان
وجه الدلالة: سمّى منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن مرة. فالمسألة اختلاف في إثبات معدان بين سالم وعمر، وليست مجرد العثور على «عن» في إسناد منفرد.
وقتادة وإن كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا فإنه يدلس ولم يذكر فيه سماعه من سالم فاشتبه أن يكون بلغه فرواه عنه
وجه الدلالة: «فاشتبه» تعبير عن احتمال أثارته المقارنة. فلا يُحكى عنه أنه أثبت باعتراف قتادة واسطةً بعينها بينه وبين سالم؛ كما لا يلغى اعتراضه بمجرد توثيق قتادة.
وللدراسة هنا فائدتان. الأولى أن الدارقطني نفسه ذكر شعبة وهشام في افتتاح الكلام؛ فمزية شعبة لا تمنع أن ينظر الناقد في قرائن خبر مخصوص. والثانية أن ثبوت أصل سماع قتادة من سالم، كما في حديث ثلث القرآن، لا يساوي التصريح في كل حديث عنه. ويبقى وزن اختلاف الوصل والإرسال ونقل السماع في هذا الخبر موضوعًا لدراسة طرقه.
وجود الحديث عند مسلم مع اعتراض الدارقطني يمثّل اختلافًا نقديًّا ينبغي حفظه كما هو. وليس عرض الاعتراض في هذه الصفحة حكمًا ببطلان خطبة عمر أو بما تضمنته من أحكام، وإنما بيان لكيفية دخول احتمال التدليس في نقد طريق بعينه. ولا ينتقل هذا النقد إلى حديث أبي الدرداء لمجرد اشتراكهما في قتادة وسالم ومعدان.
١٥
خطوات عملية لفحص رواية قتادة
تُطبّق هذه الخطوات على الحديث المحدد، لا على اسم الراوي وحده، وتُكتب النتيجة بقدر ما أثبته البحث.
١. عيّن المتن والوصلة. هل الكلام من تفسير قتادة نفسه، أم قول صحابي، أم خبر نبوي؟ وهل السؤال عن سماع تلميذه منه، أم سماعه هو من شيخه، أم حلقة أعلى؟ خلط هذه الطبقات يفسد الحكم قبل بدء البحث.
٢. اجمع صيغ الأداء. اطلب «سمعت» و«حدثني» و«حدثنا» و«قلت لفلان» في طرق الخبر نفسه، وانظر هل جاءت عن قتادة أم عن راوٍ دونه. ثم اجمع «عن» و«قال» و«ذكر لنا» و«بلغني»، ولا تكتب بعضها مكان بعض.
٣. راجع نصوص السماع في الشيخ المعين. قد تجد نفيًا مطلقًا، أو تقييدًا بحديث واحد، أو إثبات لقاء، أو اختلافًا في النقل. واعرض ألفاظ التوقف كما جاءت: «أرى» و«لعل» و«لا أعلم» ليست نصوص جزم.
٤. قابل روايات أصحابه. قد يحفظ أحدهم واسطة، أو كتابًا، أو تصريحًا أسقطه الاختصار عند غيره. وقد يكون الاختلاف من تلميذ قتادة، كما في نسبة الوهم إلى جرير في قبيعة السيف. لا تُسند الخطأ إلى قتادة قبل تحديد من وقع منه.
٥. افصل قوة الطريق عن صحة أصل الحديث. يُبحث استقلال المتابعات والشواهد، ولا تُعد الطرق التي تدور على المصدر نفسه أصولًا مستقلة. وقد يكون الإسناد محل البحث منقطعًا، ويثبت المتن من غيره؛ وقد يثبت السماع ويبقى ضعف راو آخر أو اختلاف في الرفع والوقف.
٦. صغ الحكم بصيغة محددة. مثل: «ثبت سماعه في هذا الطريق»، أو «نص البخاري على أنه لم يسمع هذا الحديث»، أو «حُفظت مكاتبة تحتاج إلى تقويم»، أو «كشف السؤال واسطتين»، أو «شك في سماعه»، أو «لا يكفي اختلاف الطريق وحده للجزم بالتدليس». هذه العبارات أدق وأنفع من تكرار «قتادة مدلس» دون تعيين أثرها.
المصادر والمراجع
الإحالات إلى الكتب المذكورة، بأجزائها وصفحاتها. وقد تختلف صفحات الطبعة الأخرى؛ لذلك ذُكر اسم الكتاب ومؤلفه، وأُلحقت أرقام الأحاديث أو المسائل بالمواضع التي تحتاج إليها. الاقتباس كلام المصدر، و«وجه الدلالة» وما يجري مجراه تحريرٌ لهذه الدراسة.
١
الجرح والتعديل، ج٧، ص١٣٥
أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت ٣٢٧ هـ)
٢
تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص٤٣
أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)
٣
جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص٩٦
صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (ت ٧٦١ هـ)
٤
معرفة السنن والآثار، ج١، ص١٣٢
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
٥
تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص١٣
أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)
٦
جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ص٢٥٤
صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (ت ٧٦١ هـ)
٧
الجرح والتعديل، ج١، ص١٦٩
أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت ٣٢٧ هـ)
٨
العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٢٤٢
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١هـ)
٩
معرفة السنن والآثار، ج١، ص١٥١
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
١٠
تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص٥٩
أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)
١١
الجرح والتعديل، ج١، ص١٧٠
أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت ٣٢٧ هـ)
١٢
المعرفة والتاريخ، ج٢، ص١٤٠
أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ)
١٣
المعرفة والتاريخ، ج٢، ص١٤١
أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ)
١٤
الجرح والتعديل، ج٤، ص٦٥
أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت ٣٢٧ هـ)
١٥
الجرح والتعديل، ج٤، ص٦٦
أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت ٣٢٧ هـ)
١٦
العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٢٨٤
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١هـ)
١٧
سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني، ص١٦٤
علي بن عبد الله بن جعفر السعدي بالولاء المديني، البصري، أبو الحسن (ت ٢٣٤هـ)
١٨
العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٤٧٠
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١هـ)
١٩
المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم، ج٢١، ص٥٧٩
أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)
٢٠
مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج٣٠، ص٢٨٤
الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ)
٢١
الجامع الصحيح «صحيح مسلم»، ج٨، ص١٥٩
أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري
٢٢
العلل ومعرفة الرجال، ج٢، ص٣٣٢
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١هـ)
٢٣
علل الترمذي الكبير، ص٢٧١
محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت ٢٧٩ هـ)
٢٤
العلل ومعرفة الرجال، ج٣، ص٣٢٨
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت ٢٤١هـ)
٢٥
علل الترمذي الكبير، ص٢٣٤
محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت ٢٧٩ هـ)
٢٦
العلل لابن أبي حاتم، ج١، ص٤٣٤
أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ)
٢٧
العلل لابن أبي حاتم، ج١، ص٤٣٥
أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ)
٢٨
المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم، ج٤، ص١٦٨
أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)
٢٩
المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم، ج١٧، ص٢٦٢
أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت ٣١٦ هـ)
٣٠
سؤالات ابن الجنيد لأبي زكريا يحيى بن معين، ص٣٤٠
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله [بن الجنيد] الختلي (ت ٢٦٠ هـ تقريبا)