فضائل سور القرآن

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

وجبت له الجنة

أخبرنا ، عن ، عن ، عن مولى آل زيد بن الخطاب قال: سمعت يقول: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت». فسألته: ماذا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «الجنة».

الحكم على الحديث

حديث صحيح؛ قال الترمذي: «حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس». ومداره على مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة. وعبيد الله هذا قال فيه أبو حاتم: «شيخ وحديثه مستقيم»، ووثقه ابن عبد البر عند الكلام على هذا الحديث. ووصفه ابن حجر بأنه «صدوق» لا يقتضي تضعيف هذا الخبر مع التوثيق المتقدم وتصحيح الترمذي، ولم يتبين فيه خطأ يقدح في ضبطه. وتعدد الرواة عن مالك يبين حفظ الخبر عنه، ولا يجعل الإسناد متعددا فوقه.

واللفظ المقدم رواية قتيبة عن مالك عند النسائي؛ وقتيبة ثقة متقن، وفي روايته ذكر السورة كاملة، وتصريح عبيد بن حنين بسماعه من أبي هريرة، ثم قوله صلى الله عليه وسلم: «وجبت»، وتفسيرها بالجنة. وهو إسناد محفوظ لأصل الخبر، وقد وافق قتيبة غير واحد من أصحاب مالك.

وأما خبر إرادة أبي هريرة تبشير القارئ، وإيثاره الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجوعه وقد ذهب الرجل، فزيادة محفوظة؛ جاءت في روايتي يحيى الليثي وأبي مصعب للموطأ، وعند أحمد من طريق عثمان بن عمر، وعند الحاكم من طريق القعنبي. وليست في لفظ النسائي المختار، فلا تلحق به عند نقله.

طرق الحديث واختلاف ألفاظه

رواية مالك واختلاف ألفاظ أصحابه

يرويه مالك بن أنس، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة، ورواه عن مالك جماعة.

فرواه قتيبة عند النسائي في «المجتبى» و«الكبرى». وعند ابن السني من طريق النسائي، عنه. ولفظه في «المجتبى»: «أقبلت»، وفي موضع من «الكبرى» وعند ابن السني: «أقبلنا»؛ وفيها ذكر السورة كاملة. وجمع النسائي في موضع آخر من «الكبرى» بين قتيبة عن مالك، وبين الحارث بن مسكين، قراءة عليه، عن ابن القاسم، قال: «حدثني مالك»، بذكر أول السورة.

ورواه إسحاق بن سليمان الرازي، عن مالك؛ وحديثه عند الترمذي عن أبي كريب، عنه. وفيه: «عن ابن حنين»، وذكر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾. وبيّن الترمذي أن ابن حنين هو عبيد بن حنين.

ورواه أبو عامر العقدي وعثمان بن عمر، عن مالك؛ وحديثهما عند أحمد. فأما أبو عامر فاختصره، وفيه: «وجبت له الجنة». وأما عثمان فساقه مطولا، وفي إسناده: «أن ابن حنين أخبره»، وفي القراءة: «حتى ختمها». فالتصريح بالإخبار في هذا الموضع لعبيد بن حنين، ولا تبدل به صيغ سائر الروايات.

الزيادة في آخر الخبر

ورواه وأبو مصعب في روايتيهما للموطأ، وفيهما خبر الغداء والتبشير. ووافقهما عثمان بن عمر عند أحمد على أصل هذه الزيادة، وإن اختلف ترتيب بعض جملها. وأبو مصعب صدوق عند أبي حاتم وأبي زرعة، وعثمان موثق، وإن نقل أبو حاتم أن يحيى القطان كان لا يرضاه. فاتفاق هذه الروايات يحفظ الزيادة، ولا تحمل على ما وقع ليحيى من أوهام في أحاديث أخرى.

ورواه القعنبي، عن مالك مطولا. وحديثه عند الحاكم عن أبي بكر بن أبي نصر المروزي، عن أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، عنه. وقد أثنى الحاكم على صدق شيخه وعدالته، ووصف البرتي بأنه مقدم في أصحاب القعنبي لصدقه وإتقانه؛ وقال في الخبر: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وعند البيهقي من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن القعنبي، فيما قرأ على مالك.

ورواه ابن بكير عن مالك كذلك؛ وحديثه عند أبي عبيد في «فضائل القرآن»، وعند البيهقي من طريقي عثمان الدارمي ومحمد بن إبراهيم البوشنجي، عنه. وقد تكلموا في سماع ابن بكير من مالك، فلا يستقل طريقه بتصحيح الزيادة، وهي محفوظة بالطرق المتقدمة.

ورواه سويد بن سعيد في روايته للموطأ بتمام السورة وخبر الغداء. وقد فرق أبو زرعة بين كتبه وحديثه من حفظه، وصحح كتبه؛ غير أن أبا حاتم وصفه بكثرة التدليس، وفي هذا الإسناد عنعنته عن مالك. فتذكر روايته في اختلاف ألفاظ الموطأ، ولا يعتمد عليها وحدها في تصحيح الخبر أو زيادته.

وعند الجوهري من طريق أحمد بن محمد المكي، عن علي بن عبد العزيز، عن القعنبي؛ ومن طريق أحمد بن محمد الإمام، عن النسائي، عن قتيبة. ونص على أن اللفظ للمكي؛ فلا تنسب الزيادة الطويلة إلى قتيبة من هذا الجمع. ولم يثبت تعيين المكي والإمام بما يسوغ تصحيح هذين الإسنادين بعينهما، وإن كان أصل الخبر والزيادة ثابتين من غيرهما.

الاختلاف في أسماء الرواة

أكثر الرواة يسمون شيخ مالك «عبيد الله بن عبد الرحمن»، وقال أبو عامر وعثمان بن عمر وغيرهما: «عبد الله بن عبد الرحمن». ووقع في الطريق الذي ساقه ابن عبد البر في «التمهيد» زيادة «بن معمر»، فأنكرها، وقال: «وذلك خطأ وغلط لا أدري ممن أتى». فلا يصير شيخ مالك أبا طوالة بمجرد اختلاف التكبير والتصغير في اسمه.

وهذا الطريق عند ابن عبد البر عن خلف بن قاسم، عن محمد بن عبد الله القاضي، عن ابن أبي داود، عن الرمادي، عن ابن عثمة، عن مالك. ولم يثبت تعيين القاضي بما يسوغ تصحيح هذا الطريق بعينه؛ ولا يوجب ذلك نسبة الغلط إليه، وقد توقف ابن عبد البر في تعيين من جاء به.

وسئل أبو حاتم عن رواية تذكر إسحاق بن سليمان، عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، «عن أبي حنين، عن مولى لعبد الرحمن بن زيد» أو لآله، عن أبي هريرة؛ فقال: «هذا خطأ؛ إنما هو: عن عبيد بن حنين مولى زيد، عن أبي هريرة». فصحح اسم الراوي ونسبته، ولم يثبت بينه وبين أبي هريرة رجلا آخر. وأما رواية إسحاق عند الترمذي ففيها «عن ابن حنين»، وفسره الترمذي بعبيد؛ فلا ينسب إليه ذلك الخطأ جزما مع اختلاف النقل عنه وعدم ذكر الإسناد إليه في السؤال.

وحكى الدارقطني رواية معن وأبي مصعب وابن القاسم عن مالك بتسمية شيخه «عبيد الله»، ورواية الشافعي وعثمان والقعنبي بتسميته «عبد الله». ثم أسند من طريق محمد بن مخلد، عن جعفر بن أبي عثمان، عن ابن معين، عن يحيى القطان، عن مالك، قال: «حدثني عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أذينة، عن أبي هريرة». وقال إن أحدا من هؤلاء الرواة لم يقل «ابن أذينة» غير يحيى؛ وسئل عن اسمه فقال: «لا أعرفه». والمحفوظ مع جماعة أصحاب مالك «عبيد بن حنين»؛ فلا يجعل هذا الاختلاف طريقا آخر يقوى به الخبر، ولا يعين من وقع منه الوهم بغير بينة.

وفي بعض طبعات المستدرك «عبيد بن جبير» عوض «عبيد بن حنين»، مع اختصار اسم البرتي إلى «أحمد بن عيسى». واللفظ في طبعة دار الرسالة «عبيد بن حنين»، واسم البرتي فيها مبسوط. فهذا اختلاف بين النصين المطبوعين، ولا يثبت به وحده اختلاف الرواية على القعنبي.

فقه الحديث

إعداد موقع أهل الحديث

فوائد الحديث وكلام أهل العلم فيه

قصة القارئ وبشارة الجنة

في رواية النسائي التي صدر بها المقال، أقبل أبو هريرة رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يقرأ سورة الإخلاص، فقال: «وجبت». فسأله أبو هريرة عما وجب، فقال: «الجنة». فالبشارة للقارئ، وأبو هريرة صاحب القصة وراويها والسائل عن معنى الكلمة. ولم يسم الرجل في هذه الرواية ولا في الروايتين المذكورتين من الموطأ.

وفي تمام الخبر أن أبا هريرة أراد أن يذهب إلى القارئ فيبشره، ثم خاف فوات الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآثر الغداء معه، ثم رجع يطلب الرجل فوجده قد ذهب. وهذه التتمة محفوظة في روايتي يحيى وأبي مصعب للموطأ، وفي حديث عثمان بن عمر عن مالك عند أحمد؛ وليست زيادة تفسيرية من الشراح.

القراءة المقصودة في الحديث

قوله: «يقرأ قل هو الله أحد» ذكر للسورة باسم أولها؛ فقد ساقت رواية النسائي آياتها إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وكذلك رواية أبي مصعب، ولفظ أحمد من طريق عثمان بن عمر: «حتى ختمها». فلا يحمل الفضل المذكور على التلفظ بأول آية وحدها. وبهذا فسر الزرقاني القراءة فقال: «السورة بتمامها».

ولم يعين الخبر صلاة كان الرجل يقرأ فيها، ولا عددًا يكرر السورة، ولا وقتًا يتقيد به هذا الفضل. وقال الباجي: «يحتمل أن يكون في غير صلاة». فيثبت منه فضل قراءتها، دون إنشاء عدد مخصوص أو هيئة عبادة لم يذكرها الحديث.

معنى قوله: «وجبت»

فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلمة بقوله: «الجنة»؛ أي وجبت لذلك القارئ. فهي إخبار بفضل وثواب، وليست أمرًا يجعل قراءة السورة واجبة. وشرح علي القاري ذلك بأنه «بمقتضى وعد الله وفضله الذي لا يخلفه».

وقد نبه الباجي إلى أن قوله: «وجبت» يحتمل أن يكون لتنبيه أبي هريرة ومن معه على فضل السورة وكثرة ثواب قارئها. فثبوت هذه البشارة لهذا الرجل هو أصل الخبر، ومنه يتبين عظم شأن السورة والترغيب في تلاوتها.

البشارة المعينة وعموم الرجاء

قال ابن عبد البر في شرح هذا الحديث: «ففيه فضيلة بينة وجليلة في قراءة قل هو الله أحد»، ثم ذكر احتمالين: أن تكون الجنة وجبت لذلك الرجل بتلاوتها مع أعمال بر غيرها، وأن تكون هذه الفضيلة خاصة بالسورة. فذكر الاحتمالين، ولم يجزم بتعيين ما لم يبينه الخبر.

وقال في التمهيد: «وهو وإن كان خصوصًا لذلك الرجل فإن الرجاء عموم». فالبشارة للرجل ثابتة بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولغيره الرجاء في فضل الله عند تلاوة السورة. ولا يستفاد من القصة أن كل من قرأها مرة قد شهد له بعينه بالجنة، أو أن قراءتها تغني عن سائر ما أوجب الله عليه. كما لا يلحق بلفظ الحديث شرط أو عدد يزعم أنه منصوص فيه وهو غير مذكور.

إرادة أبي هريرة تبشير القارئ

قوله: «فأردت أن أذهب إليه فأبشره» يبين أنه فهم من الجواب بشارة عظيمة تخص القارئ، وأحب أن يبلغه إياها. ثم ذهب إليه بعد الغداء، فدل آخر الخبر على أنه لم ينس عزمه على تبشيره، وإن لم يجده.

وفي فعله محبة إيصال الخبر السار إلى صاحبه، وفي سؤاله عن «وجبت» طلب بيان الكلام المجمل. وهذان معنيان يظهران من سياق القصة؛ أما أن أبا هريرة بلغ الرجل البشارة بالفعل، فلا يثبته الخبر، بل نص على أنه وجده قد ذهب.

الغداء وملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

«فرقت» هنا بمعنى خفت. والغداء هو الطعام الذي يؤكل بالغداة. وقد رد الباجي حمل هذه الكلمة على صلاة الغداة، وقال: «وإنما الغداء ما يؤكل بالغداة». فإيثار الغداء في هذه الرواية هو البقاء للأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدل على تخصيص قراءة السورة بصلاة الصبح.

ومن سياق صحبته ما قاله أبو هريرة في صحيح البخاري: إنه كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم «بشبع بطنه»، ويحضر ما لا يحضره غيره ويحفظ ما لا يحفظون؛ إذ كان الاشتغال بالتجارة والعمل يمنع بعضهم من مثل ملازمته. فهذا يبين وجه اجتماع القوت وصحبة العلم في خبره، من غير جزم بحال جوع مخصوصة يوم هذه الواقعة.

مراجع فقه الحديث

السنن الصغرى، لأحمد بن شعيب النسائي، دار الرسالة العالمية، ج٢، ص٢٩١–٢٩٢، حديث ٩٩٤.

الموطأ، لمالك بن أنس، رواية يحيى بن يحيى الليثي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج١، ص٢٠٨، حديث ١٨.

الموطأ، لمالك بن أنس، رواية أبي مصعب الزهري، تحقيق بشار عواد معروف ومحمود محمد خليل، ج١، ص١٠٠، حديث ٢٥٧.

المسند، لأحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، ج١٦، ص٥٣٦، حديث ١٠٩١٩.

المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، ج١، ص٣٥٤.

إظهار بقية المراجع

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني، ج٢، ص٢٩.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان محمد القاري، ج٤، ص١٤٨٤، شرح حديث ٢١٦٠.

الاستذكار، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، ج٢، ص٥١٤، شرح حديث ٤٥٦.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ليوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق بشار عواد معروف وآخرين، ج١٢، ص١٩٣؛ وفي الطبعة المغربية القديمة: ج١٩، ص٢١٨.

صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، ج١، ص٣٥، حديث ١١٨.