عن مالك بن أنس، عن عُبيد الله بن عبد الرحمن، عن عُبيد بن حُنين مولى آل زيد بن الخطاب، أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلًا يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت». فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: «الجنة». فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إليه فأبشره، ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآثرت الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب.
من فضائل الآيات والسور
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
وجبت. فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: الجنة
الحكم على الحديث
حديث صحيح، مداره على الإمام مالك، عن عُبيد الله بن عبد الرحمن ـ وقيل: عبد الله ـ عن عُبيد بن حُنين، عن أبي هريرة رضي الله عنه. رواه عن مالك جماعة من أصحابه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس»، وحكم ابن عبد البر بصحته. واختلاف الرواة في الاسم الأول للراوي بين عُبيد الله وعبد الله اختلاف في تعيين رجل الإسناد، لا طريق مستقل ولا حديث آخر.
اختلاف الرواية
رواية يحيى الليثي المطوّلة في الموطأ صحيح
روى يحيى بن يحيى الليثي عن مالك متن الصفحة كاملًا: سماع القارئ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «وجبت»، وتفسيرها بالجنة، ثم إرادة أبي هريرة أن يبشّر القارئ، واختياره الغداء مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذهابه بعد ذلك فوجده قد انصرف.
مرجع هذا الوجه
الموطأ لمالك بن أنس، رواية يحيى بن يحيى الليثي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٦هـ/١٩٨٥م، ص٢٠٨، كتاب القرآن، حديث رقم ١٨.
رواية أبي مصعب بقراءة السورة كاملة صحيح
حفظ أبو مصعب الزهري نص السورة كاملًا: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد﴾، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت». قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: «الجنة». واختصر ما بعد ذلك من طلب القارئ.
مرجع هذا الوجه
الموطأ، رواية أبي مصعب الزهري، تحقيق بشار عواد معروف ومحمود محمد خليل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤١٢هـ/١٩٩١م، ج١، ص١٠٠، حديث رقم ٢٥٧.
طريق إسحاق بن سليمان عن مالك عند الترمذي حسن صحيح
رواه أبو كريب عن إسحاق بن سليمان، عن مالك بالسند نفسه. وفيه قراءة صدر السورة إلى قوله تعالى ﴿الله الصمد﴾، ثم «وجبت» و«الجنة». وقال الترمذي عقبه: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، وابن حنين هو عُبيد بن حنين».
مرجع هذا الوجه
الجامع الكبير للترمذي، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٦م، ج٥، ص٢٢-٢٣، حديث رقم ٢٨٩٧.
طريق قتيبة عن مالك عند النسائي صحيح
رواه قتيبة بن سعيد عن مالك بالسند نفسه، وسمّى السورة كاملة ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت»، وسؤال أبي هريرة: ما وجبت؟ وقوله: «الجنة». ورجال الإسناد ثقات، وهو فرع آخر عن مالك لا أصل مستقل عنه.
مرجع هذا الوجه
السنن الصغرى للنسائي، طبعة دار الرسالة العالمية، ط١، ١٤٣٩هـ/٢٠١٨م، حديث رقم ٩٩٤؛ والسنن الكبرى له، حديث رقم ١٠٦٨.
روايتا أبي عامر وعثمان بن عمر عند أحمد صحيح
روى أبو عامر العقدي عن مالك الخبر مختصرًا بلفظ: «وجبت له الجنة». ورواه عثمان بن عمر عن مالك مطوّلًا، فحفظ سؤال أبي هريرة، وإيثاره الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجوعه لطلب الرجل بعد ذهابه.
مراجع هذين الوجهين
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٢١هـ/٢٠٠١م، الحديثان رقم ٨٠١١ و١٠٩١٩.
الخلاف في اسم شيخ مالك: عُبيد الله أم عبد الله؟ اختلاف اسم
قال أكثر رواة الموطأ: عُبيد الله بن عبد الرحمن، ومنهم يحيى وابن وهب وابن القاسم وابن بكير وأبو مصعب وعبد الله بن يوسف. وقال القعنبي ومطرف: عبد الله. ورجّح ابن عبد البر قول الجماعة، وعرّفه بعُبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب بن عُمير، مع بقاء اختلاف أهل الرجال في تمام نسبه.
هذا اختلاف في ضبط اسم راو واحد في مدار مالك؛ فلا يصح رسمه في المخطط طريقين مستقلين. كما أن خبر أبي أمامة الضعيف بلفظ «أوجب هذا» ليس شاهدًا لهذا الإسناد ولا يدخل في طرقه.
مراجع تحرير الاسم
التمهيد لابن عبد البر، ج١٩، ص٢١٦؛ وتهذيب التهذيب لابن حجر، ترجمة عُبيد الله بن عبد الرحمن المدني.
فقه الحديث
إعداد موقع أهل الحديث
من أقوال أهل العلم
قوله «فسمع رجلًا يقرأ قل هو الله أحد»
اتفقت روايات الحديث على أن سبب البشارة تلاوة الرجل سورة الإخلاص، واختلفت في مقدار ما حكته من لفظ السورة: فاقتصر يحيى الليثي على تسميتها، وذكر الترمذي صدرها، وساق أبو مصعب والنسائي آياتها كلها. وهذا اختلاف اختصار لا اختلاف قصة؛ فالسند واحد ومداره على مالك.
قال أبو الوليد الباجي:
قوله «فسمع رجلًا يقرأ قل هو الله أحد» يحتمل أن يكون في غير صلاة.
قوله «وجبت»
قال أبو الوليد الباجي:
قوله صلى الله عليه وسلم «وجبت» يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان معه على فضلها وكثرة الثواب لقارئها.
جاء الفعل أولًا مجملًا، فسأل أبو هريرة عن الشيء الذي وجب، ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «الجنة». وحفظ بعض الرواة المعنى في لفظ واحد فقال: «وجبت له الجنة»؛ فالزيادة تفسير للمجمل، لا وعد آخر منفصل.
قوله «الجنة»
قال ابن عبد البر:
ففيه فضيلة بيّنة وجليلة في قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾، وممكن أن يكون ذلك الرجل وجبت له الجنة بتلاوتها مع أعمال البر غيرها، وممكن أن يكون ذلك خاصة لها.
وقال في التمهيد:
ليس في هذا الحديث معنى يوجب القول، وهو وإن كان خصوصًا لذلك الرجل، فإن الرجاء عموم، ورحمة الله واسعة، ورضاه وعفوه ورحمته قريب من المحسنين.
قوله «فأردت أن أذهب إليه فأبشره»
قال الزرقاني:
«فأردت أن أذهب إليه فأبشره» بهذه البشارة العظيمة: الجنة.
قال ولي الدين العراقي:
فيه استحباب المبادرة لتبشير من تجدّدت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه بلية ظاهرة.
قوله «ثم فرقت أن يفوتني الغداء… فآثرت الغداء»
قال الزرقاني:
«ثم فرقت» بكسر الراء: خفت.
قال أبو الوليد الباجي:
وإنما الغداء ما يؤكل بالغداة، وكان أبو هريرة يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه، فكان يتغدى معه ويتعشى، فخاف إن مر إلى الرجل يبشره أن يغيب عن الغداء معه فيفوته.
قال أبو هريرة رضي الله عنه:
إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
قوله «ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب»
قال الزرقاني:
«ثم ذهبت إلى الرجل» لأبشره، فأجمع بين الأمرين، «فوجدته قد ذهب».
بقي القارئ غير مسمّى في جميع طرق هذا الأصل، وانصرف قبل أن يدركه أبو هريرة؛ فلا تعرف الرواية اسمه ولا تزيد في وصفه. وتمام الخبر يثبت حرص الصحابي على الجمع بين ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم وإيصال البشارة، من غير تعيين للرجل بغير دليل.
قول الترمذي «غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك»
غربة الحديث هنا غربة مدار: لم يعرفه الترمذي مرفوعًا بهذا الإسناد والمتن إلا من رواية مالك، ثم رواه عن مالك جماعة من الحفاظ. ولذلك جمع الترمذي بين وصفه بالغريب والحكم عليه بأنه حسن صحيح؛ فلا تعارض بين المصطلحين.