أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلًا يقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى ختمها، قال: «قد برئ هذا من الشرك». ثم سرنا، فسمع آخر يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، فقال: «أما هذا فقد غفر له».
من فضائل الآيات والسور
من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
أما هذا فقد غفر له
الحكم على الحديث
حديث صحيح؛ رواه عن مهاجر أبي الحسن جماعة، منهم أبو عوانة وشعبة وسفيان الثوري، وتابعهم شريك والمسعودي وأبو حمزة السكري. ومهاجر ثقة، وقد صرّح بالسماع من شيخ القصة في طرق مستقلة؛ فلا تضر جهالة اسم الصحابي، لأن الصحابة كلهم عدول. واللفظ المحفوظ في أكثر الطرق: «أما هذا فقد غفر له».
فقه الحديث
إعداد موقع أهل الحديث
من أقوال أهل العلم
اجتماع سورتي الكافرون والإخلاص في الخبر
قال ابن القيم:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد.
وقال:
أخلصت سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلّصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي، كما خلّصت سورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ من الشرك العملي الإرادي القصدي.
قوله «أما هذا فقد غفر له»
هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن قارئ بعينه في واقعة عين؛ فيثبت له الوعد كما جاء، ولا يُجعل اللفظ قاعدةً آليةً تبيح ترك الفرائض أو الإصرار على المعاصي. وقد سلك ابن عبد البر هذا المسلك المتأنّي عند شرحه حديث أبي هريرة القريب منه في الوعد بالجنة.
قال ابن عبد البر:
ففيه فضيلة بيّنة وجليلة في قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾، وممكن أن يكون ذلك الرجل وجبت له الجنة بتلاوتها مع أعمال البر غيرها، وممكن أن يكون ذلك خاصة لها.
وقال في التمهيد:
ليس في هذا الحديث معنى يوجب القول، وهو وإن كان خصوصًا لذلك الرجل، فإن الرجاء عموم، ورحمة الله واسعة، ورضاه وعفوه ورحمته قريب من المحسنين.
قوله «لأنظر من هو فأبشره»
حمل الصحابي كلام النبي صلى الله عليه وسلم على بشارة ينبغي أن تبلغ صاحبها؛ فأبطأ راحلته، ونظر يمينًا وشمالًا، يريد أن يعرف القارئ فيخبره. وفي هذا سرعة أهل الخير إلى إدخال السرور على من تجدّدت له نعمة ظاهرة.
قال ولي الدين العراقي:
فيه استحباب المبادرة لتبشير من تجدّدت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه بلية ظاهرة.
قوله «فما دريت أي الناس هو»
بوّب البيهقي:
باب سماع الصحابي قراءة من أسمعه قرآنه وأخفاه شخصه.
بقي القارئ مجهولًا للصحابي الراوي، ولم يمنع خفاء شخصه من ثبوت فضله؛ فالعبرة بما شهد به النبي صلى الله عليه وسلم. وفي القصة معنى لطيف في خفاء عمل العبد عن الناس وظهوره عند الله، من غير أن يُزاد على الخبر ما لم ينطق به.
إبهام اسم الصحابي لا يقدح في الإسناد
قال ابن الصلاح:
للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدّلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة.
لهذا قال محقق مسند الدارمي في هذا الخبر: «إسناده صحيح، جهالة الصحابي غير قادحة في الحديث»، وقال محقق سنن سعيد بن منصور: «سنده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر».