من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد

من حديث أبي هريرة وسعد رضي الله عنهما

حديث «أَحِّدْ أَحِّدْ»

طريق القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: «أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَحِّدْ أَحِّدْ».

طريق أبي معاوية عن الأعمش عن سعد

حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد، قال: «مرَّ عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بإصبعيَّ، فقال: أَحِّدْ أَحِّدْ، وأشار بالسبابة».

طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة — من موضع المدار

عن حفص بن غياث، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلًا يدعو بإصبعيه جميعًا، فنهاه، وقال: ادع بأحدهما، باليمنى».

الحكم على الحديث

أصل الحديث ثابت مرفوعًا، وطريق محمد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة حسن بذاته؛ رجحه علي بن المديني، وقال الترمذي: «حسن غريب». ويقوى الحديث إلى الصحيح بمجموع طرقه، ولا سيما بالطريق المستقل عن هشام بن حسان عن ابن سيرين. أما طريق الأعمش عن أبي صالح فقد اضطرب في وصله وصحابيه، وأرجح أوجهه عند الدارقطني رواية أبي معاوية عن سعد.

تحرير عائلات الطرق ومواضع الاختلاف

أسرة ابن عجلان عن القعقاع الطريق المختار عند ابن المديني

وصله صفوان بن عيسى عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ورواه الليث عن ابن عجلان بالاتصال مع قوله: «حسبت أنه عن أبي صالح». وأرسله سليمان بن بلال عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح. ورواه ابن جريج عن ابن عجلان عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وهو وجه معضل.

عرف علي بن المديني اختلاف روايات الأعمش، ثم قال: «والحديث عندي حديث القعقاع». وقال الترمذي في رواية صفوان المتصلة: «هذا حديث حسن غريب». وقال البيهقي في موازنة صفوان بالليث: «ورواه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان من غير شك».

المراجع

سنن الترمذي، ج٥، ص٥٥٧، ح٣٥٥٧؛ العلل لابن المديني، ص٧٧، مسألة ١١٧.

شعب الإيمان للبيهقي، ج٢، ص٣٨٠، ح١٠٩٤؛ الأسماء المبهمة للخطيب، ج٢، ص٩٩؛ مصنف عبد الرزاق، ج٢، ص٢٥٢، ح٣٢٥٥.

أسرة الأعمش عن أبي صالح اختلاف في الوصل والصحابي

وصله أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد، وحكى البزار متابعة عبد الله بن داود له بقوله: «هكذا رواه أبو معاوية وعبد الله بن داود». وأرسله وكيع ومحمد بن فضيل وجرير عن أبي صالح. ورواه عقبة بن خالد وعلي بن هاشم عن أبي صالح، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وانفرد حفص بن غياث عن الأعمش بجعله عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

اختار ابن معين وجه الصحابي المبهم، وقال الدارقطني في وجه حفص عن أبي هريرة: «ولم يتابع حفص على قوله»، ثم قال: «وقول أبي معاوية أشبه بالصواب». فترجيح الدارقطني داخل طريق الأعمش وحده، ولا يتناول طريق حفص الآخر عن هشام بن حسان.

المراجع

سنن أبي داود، ج٢، ص٨٠، ح١٤٩٩؛ مسند البزار، ج٤، ص٦٩-٧٠، ح١٢٣٦؛ وج١٦، ص١١٧، ح٩١٩٩.

تاريخ ابن معين، رواية ابن محرز، ج٢، ص٥٨؛ علل الدارقطني، ج٤، ص٣٩٧، مسألة ٦٥٥؛ نسخة وكيع، ص٩٢، ح٣٦؛ الدعاء، ص١٧٩، ح١٨.

أسرة هشام بن حسان عن ابن سيرين اختلاف في الرفع والوقف

رفع حفص بن غياث الحديث عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ورواه عنه مرفوعًا عبد الله بن عمر بن أبان وأبو همام الوليد بن شجاع. وخالفهما ابن أبي شيبة فرواه عن حفص موقوفًا على أبي هريرة. ورفع مخلد بن الحسين الحديث عن هشام من طريق مستقل، يرويه مسلم الجرمي، وقد قال الخطيب فيه: «وكان ثقة».

برفع راويين عن حفص، ومتابعة مخلد له على أصل الرفع، يكون المرفوع قويًّا عند جمع الطرق. ولا تعارضه حكاية ابن سيرين: «كانوا إذا رأوا إنسانًا يدعو بإصبعيه…»؛ إذ يجوز أن يكون هذا عملًا بالخبر المرفوع.

المراجع

صحيح ابن حبان، ج٣، ص١٦٦-١٦٧، ح٨٨٤؛ المعجم الأوسط، ج١، ص٢١٨، ح٧١٣؛ مسند أبي يعلى، ج١٠، ص٤٢١، ح٦٠٣٣.

مصنف ابن أبي شيبة، ج٥، ص٣٤٣، ح٨٦٥٢؛ حديث السراج، ج٢، ص٢٤٥، ح١٠١٤؛ المعجم الأوسط، ج٤، ص٣٧، ح٣٥٥٠؛ تاريخ بغداد، ج١٥، ص١٢٠.

الطرق الأخرى شواهد ضعيفة لا تستقل

ورد عن أنس من طريق وكيع، عن سفيان، عمّن سمع أنسًا؛ فالواسطة مبهمة. وجاء من حديث رجل من الأنصار عن جده من طريق أشعث بن سليم، واختلف فيه بإسقاط الجد، وفيه إبهام. وجاء طريق شديد الضعف من رواية الربيع بن بدر عن الأعمش عن أبي بكر التيمي؛ فلا يعتد به في الترجيح.

ولفظ طريق الربيع بن بدر عند ابن عساكر: «أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد أبو جعفر المعروف بكرده الطهراني الأصبهاني إجازة وكان حيا إذ كنت بأصبهان، قال: أبنا أبو الخير محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن هارون بن ررا إمام جامع أصبهان، أبنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن إبراهيم بن شبيب، ثنا سهل بن عثمان، ثنا الربيع بن بدر، عن الأعمش، عن أبي بكر التيمي، عن سعيد بن أبي وقاص، قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشير بأصبعي هاتين في الصلاة، فقال: أحد أحد يا سعد». وفي «تهذيب التهذيب»: «وقال النسائي ويعقوب بن سفيان وابن خراش: متروك».

هذه الطرق تصلح لإظهار شيوع أصل المعنى ولا يصح أن تُجعل وحدها أساسًا للحكم، كما لا يجوز عدّ تخريج الحديث الواحد في عدة كتب طرقًا مستقلة إذا التقت أسانيدها عند الراوي نفسه.

المراجع

مسند أحمد، ح١٢٩٠١؛ مصنف ابن أبي شيبة، ح٣١٦٧٦؛ المطالب العالية، ج١٣، ص٨٦٠، ح٣٣٥٥؛ معجم شيوخ ابن عساكر، ج٢، ص٨٧٢-٨٧٣، ح١٠٩٩؛ تهذيب التهذيب، ج٣، ص٢٣٩-٢٤٠.

الآثار الموقوفة والمقطوعة المفسرة ثابتة في العمل والمعنى

ثبت عن عبد الله بن عمر أنه رأى عبد الله بن دينار يشير بإصبع من كل يد فنهاه. وثبت عن ابن سيرين أن السلف كانوا إذا رأوا إنسانًا يدعو بإصبعيه ردوا إحداهما وقالوا: «إنما هو إله واحد». وهذان الأثران يفسران محل النهي، ولا يعدان طريقين مرفوعين للحديث.

وروى أيوب عن ابن سيرين: «أن ابن عمر رأى رجلًا يدعو بإصبعيه، فقبض بإحدى إصبعيه، وقال: إنما الله إله واحد». وجاء عن ابن جريج بإخبارٍ عن نافع، عن ابن عمر، وفيه: «إنما الله إله واحد، فأشر بإصبع واحدة إذا أشرت». وطريق ابن جريج فيه واسطة مبهمة بينه وبين نافع.

المراجع

موطأ مالك، رواية يحيى، ج١، ص٢١٧، ح٣٧؛ المعجم الكبير للطبراني، ج١٢، ص٢٦٣، ح١٣٠٥٧؛ مصنف عبد الرزاق، ج٢، ص٢٤٨-٢٤٩، ح٣٢٤١؛ مصنف ابن أبي شيبة، ج٥، ص٣٤٥، ح٨٦٦١.

فقه الحديث وعلله

إعداد موقع أهل الحديث

من نصوص المصادر المحلية وأقوال أئمة العلل

ضبط قوله «أَحِّدْ أَحِّدْ» ومعناه

قال ابن الأثير:
«وفي حديث الدعاء: أنه قال لسعد ـ وكان يشير في دعائه بإصبعين ـ: أَحِّدْ أَحِّدْ؛ أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعو إليه واحد، وهو الله تعالى».

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (٥٤٤-٦٠٦هـ)

النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة «أحد»، ج١، ص٢٧.

قال ابن الملك:
«أمرٌ بالوحدة من التوحيد، وهو القول والشهادة بأن الله واحد؛ أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن المدعو والمشار إليه واحد، كرر للتأكيد، أصله: وحِّد، قلبت الواو همزة».

ابن الملك، محمد بن عبد اللطيف الرومي (ت نحو ٨٥٤هـ)

شرح مصابيح السنة، ج٢، ص٢٦، عند الحديث رقم ٦٤٨.

قال الطيبي:
«قوله: أحد أحد، أراد: وحِّد، فقلبت الواو همزة». وقال: «أحد؛ أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعو إليه واحد، وهو الله سبحانه وتعالى».

الطيبي، الحسين بن عبد الله (ت ٧٤٣هـ)

شرح المشكاة للطيبي، ج٣، ص١٠٣٧، عند الحديث رقم ٩١٣.

قال السندي:
«أحد أحد: في النهاية؛ أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه واحد، والله تعالى أعلم».

السندي، محمد بن عبد الهادي (ت ١١٣٨هـ)

حاشية السندي على سنن النسائي، ج٣، ص٣٨، عند الحديث رقم ١٢٧٢.

وقال الملا علي القاري:
«كُرِّر للتأكيد في التوحيد». وقال: «والمعنى ارفع إصبعًا واحدة؛ لأنك تشير إلى وحدانية من هو واحد، لا ثاني له لا في الذات ولا في الصفات، ولعل التكرار لهذا المعنى».

الملا علي القاري، نور الدين علي بن سلطان الهروي (ت ١٠١٤هـ)

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج٢، ص٧٣٦، عند الحديث رقم ٩١٣.

وقال المباركفوري:
«أحد أحد: كرر للتأكيد في التوحيد؛ أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه واحد سبحانه، وأصله: وحِّد، أمر مخاطب من التوحيد، وهو القول بأن الله واحد، قلبت الواو همزة».

المباركفوري، محمد عبد الرحمن (١٢٨٣-١٣٥٣هـ)

تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج٩، ص٣٨٢، شرح الحديث رقم ٣٥٥٧.

وقال العظيم آبادي:
«أي: أشر بواحدة ليوافق التوحيد المطلوب بالإشارة».

العظيم آبادي، محمد أشرف بن أمير الصديقي (١٢٧٣-١٣٢٩هـ)

عون المعبود شرح سنن أبي داود، ج٤، ص٢٥٦، شرح الحديث رقم ١٤٩٩.

محل النهي: الإشارة بسبابتين لا رفع الكفين

قال الترمذي:
«ومعنى هذا الحديث: إذا أشار الرجل بإصبعيه في الدعاء عند الشهادة لا يشير إلا بإصبع واحدة».

الإمام الترمذي، محمد بن عيسى (٢٠٩-٢٧٩هـ)

سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، ج٥، ص٥٥٧، عقب الحديث رقم ٣٥٥٧.

قال ابن حبان:
«أضمر فيه أن الإشارة بالإصبعين ليكون إلى الاثنين، والقوم عهدهم كان قريبًا بعبادة الأصنام والإشراك بالله، فمن أجلهما أمر بالإشارة بإصبع واحد».

ابن حبان، محمد بن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ج٣، ص١٦٧، عقب الحديث رقم ٨٨٤.

قال عبد الله بن دينار:
«رآني عبد الله بن عمر وأنا أدعو وأشير بإصبعين، إصبع من كل يد، فنهاني».

أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رواه مالك عن عبد الله بن دينار

موطأ مالك، رواية يحيى بن يحيى، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج١، ص٢١٧، رقم ٣٧.

وقال ابن سيرين:
«كانوا إذا رأوا إنسانًا يدعو بإصبعيه ضربوا إحداهما وقالوا: إنما هو إله واحد».

محمد بن سيرين (٣٣-١١٠هـ)

مصنف ابن أبي شيبة، ج٥، ص٣٤٥، حديث رقم ٨٦٦١.

وقال ابن الأثير في الفرق بين الإشارتين:
«فما كان منها في ذكر التوحيد والتشهد، فإنه كان يشير بالمسبحة وحدها، وما كان منها في غير ذلك، فإنه كان يشير بكفه كلها؛ ليكون بين الإشارتين فرق».

ابن الأثير، مجد الدين الجزري (٥٤٤-٦٠٦هـ)

النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة «شير»، ج٢، ص٥١٨.

هل كانت الواقعة في الصلاة؟

قال ابن عبد البر:
«هذا مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بسعد وهو يدعو في صلاته ويشير بإصبعيه جميعًا فنهاه عن ذلك وقال: أحد أحد». ثم قال: «والسنة أن يشير الداعي إذا أشار بإصبعه السبابة وحدها».

ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري (٣٦٨-٤٦٣هـ)

الاستذكار، ج٢، ص٥٣٨، ضمن باب العمل في الدعاء.

وقال المباركفوري في «مرعاة المفاتيح»:
«وإيراد المصنف هذا الحديث في التشهد يدل على أنه حمله على الإشارة في جلسة التشهد، وعليه حمله النسائي أيضًا؛ حيث أورد حديث أبي هريرة هذا، وحديث سعد في التشهد، وترجم عليهما: باب النهي عن الإشارة بإصبعين، وبأي إصبع يشير؟ وأخرجه الترمذي في الدعوات كالبيهقي، وصنيعهما يدل على أنهما حملاه على الدعاء، لا على الإشارة في التشهد، بل عداه أدبًا من جملة آداب الدعاء، وهو الذي فهمه أبو داود؛ حيث أخرج حديث سعد في الدعاء. ولا شك أن الحديث يحتمل كلا المعنيين، لكن الاحتمال الثاني الذي ذهب إليه الترمذي وأبو داود والبيهقي، أي حمله على أدب الدعاء، أظهر».

عبيد الله المباركفوري (١٣٢٧-١٤١٤هـ)

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج٣، ص٢٤١، شرح الحديث رقم ٩١٩. ونُقل كلامه في الاحتمالين؛ أما حكاية موافقة الذهبي للحاكم في آخر كلامه فلا تثبت في النسخة المحلية من المستدرك، ولذلك لم تُدرج هنا.

تحرير الروايات:
أقوى الألفاظ المتصلة تقول: «كان يدعو» أو «وأنا أدعو»، ولا تذكر الصلاة. ولفظ «في الصلاة» محفوظ في مرسل وكيع عن الأعمش، عن أبي صالح. أما الترمذي ففسره بالدعاء «عند الشهادة»، وبوّب النسائي له في أبواب التشهد؛ ولذلك يصح إدخال التشهد في معناه، ولا يصح الجزم بأن قيد الصلاة ثابت في نفس أقوى الأسانيد المرفوعة.

تحرير موقع أهل الحديث

مقارنة سنن الترمذي رقم ٣٥٥٧، وسنن أبي داود رقم ١٤٩٩، ونسخة وكيع رقم ٣٦، وتبويب النسائي على الحديثين ١٢٧٢ و١٢٧٣.

ترجيح علي بن المديني لطريق القعقاع

قال علي بن المديني:
«حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يدعو رافعًا يديه، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ورواه جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح مرسلًا. ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد. ورواه وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سعدًا. والحديث عندي حديث القعقاع».

علي بن عبد الله بن جعفر المديني (١٦١-٢٣٤هـ)

العلل لابن المديني، ص٧٧، رقم ١١٧. صُحِّح في النقل الخطآن الظاهران من التعرّف النصي في النسخة المحلية: «سعيد» إلى «سعد»، و«العقعاع» إلى «القعقاع».

تصحيح ابن معين لوجه الأعمش

قال ابن محرز:
«سمعت يحيى بن معين يقول لأبي خيثمة: كيف تعرفون هذا عن الأعمش عن أبي صالح: رأى النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا؟ فقال له أبو خيثمة وغيره ممن كان بحضرته جالسًا في المسجد الجامع: عن الأعمش عن أبي صالح عن سعد. فقال يحيى بن معين: لا، ولكن الأعمش عن أبي صالح عن رجل من أصحاب محمد، قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم سعدًا يشير بإصبعيه فقال: أحد أحد. فقالوا ليحيى بن معين: من هذا؟ قال: علي بن هاشم».

يحيى بن معين، برواية أحمد بن محمد بن محرز (ت ٢٣٣هـ)

تاريخ ابن معين، رواية ابن محرز، ج٢، ص٥٨.

ترجيح الدارقطني داخل روايات الأعمش

قال الدارقطني:
«يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد. وخالفه عقبة بن خالد، فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد. وقال حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى سعدًا. ولم يتابع حفص على قوله، وقول أبي معاوية أشبه بالصواب».

الدارقطني، علي بن عمر البغدادي (٣٠٦-٣٨٥هـ)

العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ج٤، ص٣٩٧، مسألة رقم ٦٥٥.

ما معنى قول الترمذي: «حديث حسن غريب»؟

الخلاصة:
جمع الترمذي بين وصفين لا يتعارضان: فـ«حسن» حكمٌ بقبول الحديث أو إسناده عنده، و«غريب» وصفٌ لوجود نوع تفرّد في الرواية؛ قد يكون في أصل الطريق، أو في طبقة من الإسناد، أو في لفظٍ زائد. فالغرابة عنده لا تعني الضعف بالضرورة، ولا تنقض حكمه بالحسن.

تحرير اصطلاح الترمذي

مبني على نص الترمذي في «العلل الصغير» وشرح ابن تيمية وابن رجب وابن حجر الآتي.

قال الترمذي في تعريف «الحسن»:
«وما ذكرنا في هذا الكتاب حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا به حسنَ إسناده عندنا: كلُّ حديثٍ يُروى لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًّا، ويُروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديثٌ حسنٌ».

الإمام الترمذي (٢٠٩-٢٧٩هـ)

العلل الصغير الملحق بجامع الترمذي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وسعيد اللحام، دار الرسالة العالمية، ط١، ١٤٣٠هـ، ج٦، ص٤٨١.

وقال في بيان وجوه «الغريب»:
«وما ذكرنا في هذا الكتاب حديثٌ غريبٌ، فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعانٍ: رُبَّ حديثٍ يكون غريبًا لا يُروى إلا من وجه واحد». ثم ذكر أن الغرابة قد تكون «لزيادة تكون في الحديث»، وقد يكون الحديث مرويًّا من طرق فقال: «ورُبَّ حديثٍ يُروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لحال الإسناد».

الإمام الترمذي

العلل الصغير الملحق بجامع الترمذي، ط الرسالة، ج٦، ص٤٨١، ٤٨٤-٤٨٥. فالغريب عنده أوسع من تفرد الحديث كله، وليس حكمًا مستقلًّا بالضعف.

قال ابن تيمية:
«فالترمذي إذا قال: حسنٌ غريبٌ، قد يعني به أنه غريبٌ من ذلك الطريق؛ ولكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن».

شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١-٧٢٨هـ)

مجموع الفتاوى، ج١٨، ص٢٤.

وقال ابن رجب:
«وعلى هذا فلا يشكل قوله: حديث حسن غريب، ولا قوله: صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ لأن مراده أن هذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه».

ابن رجب الحنبلي (٧٣٦-٧٩٥هـ)

شرح علل الترمذي، تحقيق همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار، ط١، ١٤٠٧هـ، ج٢، ص٦٠٦-٦٠٧.

وبيّن ابن حجر جواب الإشكال في اشتراط تعدد الوجه مع وصف الحديث بالغريب:
«فإن قيل: قد صرّح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟ فالجواب: أن الترمذي لم يعرّف الحسن مطلقًا، وإنما عرّف نوعًا خاصًّا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: حسن، من غير صفة أخرى». ثم قال: «فعُرف بهذا أنه إنما عرّف الذي يقول فيه: حسن، فقط، أما ما يقول فيه: حسن صحيح، أو: حسن غريب... فلم يعرّج على تعريفه».

ابن حجر العسقلاني (٧٧٣-٨٥٢هـ)

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، تحقيق عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، ص٩٠-٩٢.

وتنزيل ذلك على حديث «أَحِّدْ أَحِّدْ»:
أخرج الترمذي وجه محمد بن بشار، عن صفوان بن عيسى، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ثم قال: «هذا حديث حسن غريب». ولم يقل في هذا الموضع: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، ولم يعيّن الراوي الذي وقعت عنده الغرابة. فالمتيقن من عبارته أنه رأى الرواية مقبولةً حسنةً، مع وجود جهة غرابة في هذا الوجه أو لفظه؛ ولا يصح أن نجزم من كلمته وحدها بأن موضع التفرد صفوان أو ابن عجلان أو القعقاع.

الإمام الترمذي — مع تحرير حد دلالة حكمه

سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين، ج٥، ص٥٥٧، رقم ٣٥٥٧. والمثبت في سائر الأصول الخطية ونسخة المباركفوري وتحفة الأشراف: «حسن غريب» دون زيادة «صحيح».

أقوال بقية المحدثين في الطرق

وقال الحاكم بعد إخراج طريقي القعقاع وأبي معاوية:
«هذا حديث صحيح الإسنادين جميعًا، فأما حديث أبي معاوية فهو صحيح على شرطهما إن كان أبو صالح السمان سمع من سعد».

الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (٣٢١-٤٠٥هـ)

المستدرك على الصحيحين، ط المنهاج القويم، ج٣، ص٩٨-٩٩، حديثا ١٩٨٢-١٩٨٣. ولا تنسب في هذا الموضع موافقة للذهبي لم تثبت في النسخة المحلية.

وفي ثبوت سماع أبي صالح من سعد:
قال الذهبي: «وسمع من سعد بن أبي وقاص». وذكر المزي أنه «سأل سعد بن أبي وقاص في الزكاة».

الذهبي والمزي

سير أعلام النبلاء، ج٥، ص٣٦؛ تهذيب الكمال، ج٨، ص٥١٣-٥١٤. وثبوت السماع يحقق الاتصال، لكنه لا يزيل الاختلاف الواقع على الأعمش.

قال البزار:
«لا نعلم رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة إلا حفص، ورواه غير حفص عن الأعمش عن أبي صالح عن سعد».

البزار، أحمد بن عمرو العتكي (ت ٢٩٢هـ)

البحر الزخار، ج١٦، ص١١٧، رقم ٩١٩٩. وهذا وصف للتفرد والاختلاف، لا تضعيف لأصل الحديث كله.

وقال البيهقي:
«وروينا في كتاب الدعوات عن أبي صالح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سعدًا يدعو بإصبعيه في الصلاة، فقال: أحد أحد، وروي ذلك من وجه آخر موصولًا في الدعاء».

البيهقي، أحمد بن الحسين (٣٨٤-٤٥٨هـ)

السنن الكبرى، ج٢، ص١٨٨، رقم ٢٧٨٣. أثبت المرسل والموصول ولم يصرح في هذا الموضع بأن المرسل هو الصواب.

ومنهج ابن حبان والطبراني:
أدخل ابن حبان طريق هشام بن حسان في صحيحه، وهو قبول ضمني له. وقال الطبراني في موضع: «لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا حفص»، وقال في طريق مخلد: «لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا مخلد بن الحسين، تفرد به مسلم الجرمي». وهاتان عبارتا تفرد، ولا تستقيمان على نفي الوجه الآخر بعد جمع روايات الكتاب نفسه.

ابن حبان والطبراني

صحيح ابن حبان، ج٣، ص١٦٦، رقم ٨٨٤؛ المعجم الأوسط، ج١، ص٢١٨، رقم ٧١٣؛ وج٤، ص٣٧، رقم ٣٥٥٠.

ما لا يُعَدُّ طريقًا مستقلًّا

ضبط تعدد المخارج:
رواية النسائي في «الكبرى» و«المجتبى» مخرج واحد لا طريقان. وتعليق البيهقي في «السنن الكبرى» يحيل إلى «الدعوات الكبير» فلا ينشئ إسنادًا جديدًا. و«مسند السراج» رقم ١٢١٤ و«حديث السراج» رقم ١٠١٤ نسختان لنفس رواية مسلم الجرمي. كما أن «المطالب العالية» و«إتحاف الخيرة» يحفظان طريق مسدد ولا يمثلان أصلين مستقلين، وتكرار البزار للحديث بقوله «وبه» لا يُضاعف الطريق.

تحرير مخارج الحديث

سنن النسائي رقم ١٢٧٢-١٢٧٣؛ السنن الكبرى للبيهقي، ج٢، ص١٨٨، ح٢٧٨٣؛ الدعوات الكبير، ح٣١٥-٣١٦؛ حديث السراج، ح١٠١٤؛ المطالب العالية، ح٣٣٥٥؛ مسند البزار، ح٩٢٣٢.

قال ابن عدي في الرواية المنسوبة إلى معدان بن عيسى عن ابن عجلان:
«هذه أحاديث صفوان بن عيسى عن ابن عجلان».

ابن عدي، عبد الله بن عدي الجرجاني (٢٧٧-٣٦٥هـ)

الكامل في ضعفاء الرجال، ج٨، ص٢٢٦-٢٢٧، ترجمة رقم ١٩٤٧. فليس «معدان عن ابن عجلان» أصلًا خامسًا داخل أسرة القعقاع.

تنبيه إلى اختلاف طبعتَي مصنف ابن أبي شيبة:
تورد طبعة حوت لفظ «فنهاه وقال: بإصبع واحدة باليمنى» تحت إسناد حفص عن الأعمش برقم ٨٤٢٦، بينما تفصله طبعة الشثري في طريق حفص عن هشام بن حسان الموقوف على أبي هريرة برقم ٨٦٥٢، وتكرره برقم ٣١٦٦٨. فهذه علة نصية بين الطبعتين، لا طريق خامس عن الأعمش.

مقابلة نسختَي المصنف المحليتين

مصنف ابن أبي شيبة، طبعة حوت، ج٢، ص٢٢٩، ح٨٤٢٦؛ وطبعة الشثري، ج٥، ص٣٤٣، ح٨٦٥٢؛ وج١٦، ص٣٠٩، ح٣١٦٦٨.

من أعلّ أصل الحديث كله؟

لم يثبت عن ناقد متقدم في المصادر المتقدمة حكمٌ بأن أصل الحديث كله ضعيف.
أعل ابن معين والدارقطني صورًا مخصوصة من طريق الأعمش، ورجح ابن المديني طريق القعقاع، وحسنه الترمذي. أما البزار والبيهقي والطبراني فذكروا الاختلاف أو التفرد دون حكم بإسقاط أصل الخبر.

خلاصة استقراء أقوال المتقدمين

العلل لابن المديني، رقم ١١٧؛ تاريخ ابن معين، رواية ابن محرز، ج٢، ص٥٨؛ علل الدارقطني، رقم ٦٥٥؛ سنن الترمذي، رقم ٣٥٥٧.

وقال الباحث المعاصر ياسر فتحي:
«حديث ضعيف، صوابه مرسل».

ياسر فتحي

فضل الرحيم الودود، ج١٨، ص٣٢٢-٣٣٢.

والجواب عن هذا الترجيح:
١ـ ابن المديني عرف إرسال جرير ووكيع ثم قال: «والحديث عندي حديث القعقاع».
٢ـ الترمذي حسّن طريق القعقاع المتصل.
٣ـ البيهقي نص على أن صفوان رواه عن ابن عجلان «من غير شك».
٤ـ طريق هشام بن حسان مستقل، ورفعه عن حفص راويان، وتابع مخلد حفصًا على أصل الرفع.
٥ـ الموقوف عن أبي هريرة والمقطوع عن ابن سيرين يجوز أن يكونا عملًا بالحديث المرفوع، فلا يلزم أن يكونا علة قادحة فيه.

تحرير موقع أهل الحديث

بناءً على جمع طرق القعقاع والأعمش وهشام بن حسان، ومقارنة أحكام ابن المديني والترمذي والبيهقي.

أحكام المتأخرين على الحديث

قال الهيثمي عن طريق أبي يعلى عن هشام:
«رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح». وقال عن طريق مخلد: «ورجاله ثقات».

الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (٧٣٥-٨٠٧هـ)

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج١٠، ص١٦٨.

وقال الألباني عن طريق أبي داود:
«إسناده صحيح على شرط الشيخين»، ووصف طريق هشام بأنه «شاهد قوي».

محمد ناصر الدين الألباني (١٣٣٢-١٤٢٠هـ)

صحيح سنن أبي داود، ج٥، ص٢٣٥-٢٣٦، رقم ١٣٤٤.

وقال محققو مسند أحمد:
«حديث صحيح».

شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرون

مسند الإمام أحمد، عند الحديث رقم ٩٤٣٩، ج١٥، ص٢٥٨ وما بعدها.

الحكم النهائي المحرر

العبارة الأدق:
حديث «أَحِّدْ أَحِّدْ» ثابت مرفوعًا؛ حسّن الترمذي طريق ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورجحه علي بن المديني، وله شاهد مستقل قوي من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة. أما طريق الأعمش عن أبي صالح فقد اضطرب في صحابيه ووصله وإرساله، وأرجح أوجهه عند الدارقطني رواية أبي معاوية عن سعد. فالحديث حسن لذاته من طريق القعقاع، ويقوى إلى الصحيح بمجموع طرقه.

خلاصة البحث

جُمعت من نصوص المصادر الأصلية في الشاملة المحلية، مع الفصل بين الحكم على أصل الخبر والحكم على كل طريق مفرد.