أحاديث الدعاء

من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما

أَحِّدْ أَحِّدْ

حدثنا ، قال: حدثنا ، قال: حدثنا ، عن ، عن ، عن ، أن رجلا كان يدعو بإصبعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحِّدْ أَحِّدْ».

الحكم على الحديث

الذي يظهر أن أصل الحديث حسن، وأولى رواياته بالتقديم رواية صفوان بن عيسى، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال الترمذي عقبها: «هذا حديث حسن غريب». وقال علي بن المديني، بعد ذكر حديث القعقاع والاختلاف على الأعمش: «والحديث عندي حديث القعقاع». فرواية القعقاع عنده أرجح من تلك الأوجه؛ ولم يتعرض في هذا الموضع للاختلاف بين صفوان وسليمان بن بلال، ولا لطريق هشام بن حسان.

ورواية صفوان محفوظة عنه من وجوه، وصفوان ثقة، والقعقاع وأبو صالح ثقتان، وابن عجلان صدوق. والنقد المشهور في خلط ابن عجلان صحيفة سعيد المقبري لا يتناول هذا الإسناد بعينه. على أن روايته هنا عن القعقاع بالعنعنة، وقد نسب إليه ابن حجر التدليس؛ فلا تبدل هذه الصيغة بتصريح بالسماع لم يثبت في هذا الخبر. وإنما استند الترجيح إلى القرائن الخاصة بالحديث، ومنها قبول الترمذي لهذا الوجه واختيار ابن المديني لمخرجه، مع النظر في الروايات المخالفة، لا إلى إغفال العنعنة أو جعل كل ما يرويه ابن عجلان صحيحا.

ويقابل رواية صفوان إرسال سليمان بن بلال من رواية ابن أبي أويس عنه، والشك في أبي صالح في رواية الليث. وناقل إرسال سليمان مختلف في ضبطه، ورواية الليث لا تجزم بإسقاط أبي صالح؛ فلم يظهر من هذين الوجهين ما يوجب رد رواية صفوان. وهذا ترجيح مع بقاء الخلاف، لا نسبة وهم إلى سليمان بلا حجة. وأما روايات الأعمش وهشام ففيها اختلاف آخر في الوصل والإرسال، وفي الصحابي، وفي الرفع والوقف؛ تؤيد بعض وجوهها أصل الخبر، ولا يترقى الحديث بمجرد كثرتها إلى «صحيح بمجموع طرقه».

وتعيين اليمنى، وذكر الصلاة، وقبض إحدى الإصبعين زيادات تذكر مع أسانيدها، ولا تدخل في متن الترمذي. أما الإشارة بالسبابة اليمنى في التشهد فثابتة بأحاديث صحيحة مستقلة، يأتي بيانها في فقه الحديث.

طرق الحديث واختلاف ألفاظه

طريق القعقاع بن حكيم عن أبي صالح

يرويه محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ورواه عن ابن عجلان صفوان بن عيسى، وعنه محمد بن بشار وأحمد بن حنبل وعمرو بن علي وبكار بن قتيبة. وحديث محمد بن بشار عند الترمذي والنسائي، وحديث أحمد في المسند، وحديث عمرو عند البزار. وحديث بكار عند الحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عنه، وعند البيهقي عن الحاكم بهذا الإسناد؛ فليست رواية البيهقي متابعة أخرى لصفوان.

صرح صفوان بتحديث ابن عجلان في رواية الترمذي، وبقي ما بعده بالعنعنة. وفي لفظ الترمذي: «كان يدعو بإصبعيه»، وعند أحمد: «يدعو هكذا بإصبعيه يشير». ووقع في النص المقروء من مسند البزار «بأصبعه» بالإفراد؛ فتحفظ عبارة كل مصدر، ولا يؤلف من هذه الألفاظ متن واحد.

وروي من طريق سليمان بن بلال عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وحديثه عند الخطيب من طريق ابن أبي أويس عنه؛ وقد قال ابن أبي أويس: «حدثني سليمان»، فلا تزاد بينهما واسطة. وإسماعيل بن أبي أويس مختلف فيه؛ قال أبو حاتم: «محله الصدق، وكان مغفلا»، وضعفه النسائي. فلا يهمل هذا الوجه، ولا يجعل وحده حجة قاطعة على خطأ صفوان.

وروي من طريق الليث عن ابن عجلان عن القعقاع، وفيه: «حسبت أنه عن أبي صالح»، عن أبي هريرة. وحديثه عند البيهقي من طريق عبيد بن شريك، عن يحيى بن بكير، عن الليث؛ وقال البيهقي إن صفوان رواه من غير شك. وفي نقل هذا الوجه احتراز أيضا: تكلم النقاد في يحيى، وتغير عبيد في آخر عمره، ولم يتبين تاريخ سماع هذا الخبر منه؛ فلا يجزم بسلامة الطريق كله بمجرد إمامة الليث.

ورواه ابن جريج عن ابن عجلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يدعو بإصبعين: «أحد أحد»؛ وحديثه عند عبد الرزاق. وهذا معضل، سقط منه من بعد ابن عجلان؛ فلا يوصل بإكمال الأسماء من رواية صفوان. وأما النسخة التي ذكرها ابن عدي عن معدان بن عيسى فليست متابعة ثابتة: قال إنه لا يعرف معدان، وبيّن أن هذه أحاديث صفوان نفسها، وذكر الخلل في رواية خالد بن غسان لهذه النسخة.

الاختلاف على الأعمش في إسناده

يرويه الأعمش، عن أبي صالح، واختلف عنه. فرواه أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن سعد بن أبي وقاص. وحديثه عند أبي داود عن زهير بن حرب، وعند النسائي عن محمد بن عبد الله المخرمي، وعند أبي يعلى عن أبي كريب، وعند أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي معاوية نفسه. وتابعه عبد الله بن داود؛ وحديثه عند البزار عن إبراهيم بن محمد التيمي عنه. ولفظ أبي معاوية عن سعد: «مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصبعي»، وعند عبد الله بن داود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشير بإصبعيه.

ورواه عقبة بن خالد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل سعدا صاحب القصة. وحديث عقبة عند المطرز عن عبد الله بن سعيد الأشج عنه، وعند الخطيب من طريق المطرز بهذا الإسناد. وفي رواية ابن محرز عن ابن معين اختيار هذه الصورة، وتسميته علي بن هاشم راويا لها. وإبهام اسم الصحابي في هذا الوجه ليس جرحا فيه؛ وإنما موضع النظر اختلاف الإسناد.

وأما حفص بن غياث فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وحديثه عند ابن أبي شيبة، وعند أحمد عن ابن أبي شيبة عنه، وعند البزار من طريق أبي هشام الرفاعي. قال الدارقطني: «ولم يتابع حفص على قوله»، وقال: «وقول أبي معاوية أشبه بالصواب». فهذا ترجيح لأبي معاوية بين الوجوه التي ذكرها في ذلك الجواب.

وفي مقابلة من وصل الحديث رواية وكيع وابن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح مرسلا؛ وحكى ابن المديني الإرسال عن جرير أيضا. ولا يزول هذا الخلاف بترجيح الدارقطني أبي معاوية على عقبة وحفص؛ إذ لم يذكر تلك المراسيل في جوابه. وصحح الحاكم حديث أبي معاوية على شرط الشيخين بشرط ثبوت سماع أبي صالح من سعد، فتبقى عبارته مشروطة كما قالها. ولهذه الوجوه لم يقدم طريق الأعمش على رواية صفوان في صدر المقال.

وجاءت زيادة «في الصلاة» في نسخة وكيع وفي الدعوات الكبير من طريقه؛ وهما مرسل أبي صالح. وليس هذا اللفظ في موضع وكيع المقروء من مصنف ابن أبي شيبة، ولا في رواية أبي داود والنسائي المتصلة عن أبي معاوية. فلا تنقل الزيادة من ذلك المرسل إلى المتن المتصل.

طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين

يرويه هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. ورواه عنه حفص بن غياث، واختلف على حفص: فرفعه أبو همام الوليد بن شجاع عند أبي يعلى، وعبد الله بن عمر بن أبان عند ابن حبان والطبراني، ووقفه ابن أبي شيبة على أبي هريرة. وأبو همام قال فيه أبو حاتم: «صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به»، وابن أبان قال فيه: «كوفي صدوق». وحفص ثقة، غير أن أبا زرعة ذكر سوء حفظه بعدما استقضي، وفرق بين من كتب من كتابه وغيره. فلا يحسم الاختلاف هنا بعدّ الرافعين وحده، ولم يتبين في هذا الخبر ما يثبت أخذه من كتاب حفص أو يؤرخ سماع كل واحد منه.

وفي هذا الوجه تعيين اليمنى: «بإحداهما باليمنى» عند ابن حبان، و«ادع بأحدهما باليمنى» عند الطبراني، و«بإحداهما باليمين» عند أبي يعلى. وهي زيادة تحفظ مع هذا الاختلاف، ولا تضاف إلى لفظ الترمذي.

ورفعه مخلد بن الحسين عن هشام، ورواه عن مخلد مسلم بن أبي مسلم الجرمي. وحديث مسلم عند السراج والبزار من طريق محمد بن عبد الرحيم صاعقة، وعند الطبراني من طريق خلف بن عمرو العكبري. وفي لفظ السراج قبض إحدى الإصبعين، وعند البزار: «فقبض على أحدهما أو قال أحد أحد»، ولا ذكر للقبض في لفظ الطبراني. ووثق الخطيب مسلما، وقال ابن حبان: «ربما أخطأ»، ونقل ابن حجر عن الأزدي أنه حدث بأحاديث لا يتابع عليها؛ فهذه متابعة لحفص في أصل الرفع، وليست مما يستقل بحسم كل اختلاف عليه.

وهشام ثبت في ابن سيرين عند ابن المديني، وأحمد يقدم ابن سيرين في حديث أبي هريرة. ومع هذا روى العقيلي عن حماد بن زيد خبرا في إنكار أيوب رفع هشام أحاديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة؛ وهو نقد ذو صلة بالرفع، فلا يصرف كله إلى رواية هشام عن الحسن وعطاء. وفي إسناد هذا النقل ولفظه اختلاف بين النص المقروء عند العقيلي ونقل المزي، ولم يعين فيه حديث «أحد أحد». فتبقى منزلة هشام وقرائن حفظه، ويحفظ هذا النقد بحده؛ ولا يجزم بكونه علة لهذا الخبر بعينه، كما لا يغفل اختلاف أصحاب حفص فيه.

الشواهد والآثار

في رواية أنس عند أحمد رجل مبهم بين سفيان وأنس، وإن صرح النص بسماعه من أنس. وفي رواية إسرائيل عن أشعث بن أبي الشعثاء، عند ابن أبي شيبة، رجل من الأنصار عن جده؛ فالراوي دون الصحابي مبهم. ورواه أبو الأحوص عن أشعث عن الأنصاري، دون ذكر الجد، عند مسدد فيما نقله ابن حجر. فلا تصحح هذه الطرق لمجرد موافقة معناها، ولا يحمل لفظ «باسط كفيه» في الرواية الأخيرة على منع رفع اليدين في الدعاء.

وأما رواية الربيع بن بدر عن الأعمش، عن أبي بكر التيمي، عند ابن عساكر فشديدة الضعف؛ قال النسائي في الربيع: «متروك الحديث»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث ذاهب الحديث». فلا يستشهد بها لتعيين الصلاة أو لتقوية أصل الخبر.

وثبت عن ابن عمر نهيه عبد الله بن دينار عن الإشارة بإصبع من كل يد، في الموطأ. وعند ابن أبي شيبة من طريق سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن كثير بن أفلح وصف فعل ابن عمر في آخر القعدة وقبضه الإصبع اليسرى. وعنده عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: «كانوا إذا رأوا إنسانا يدعو بإصبعيه ضربوا إحداهما»؛ وهو مقطوع، و«كانوا» لا تسمي أفرادا بعينهم. يستفاد من هذه الآثار في تفسير الإشارة، وتبقى متميزة من المرفوع.

وأما أثر ابن عمر عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، ففيه: «أخبرت عن نافع»، بوسيط لم يسم. وفي إسناد الطبراني المطبوع عن عارم عن أيوب سقوط ظاهر؛ واقتراح إثبات حماد بن زيد بينهما من الأسانيد المجاورة استدراك محتمل، لا نص نسخة أخرى. فلا يساق هذان الوجهان على أنهما إسنادان تاما الاتصال.

أقوال النقاد وحاصل الاختلاف

لفظ حكم الترمذي في الطبعة المعتمدة هنا: «هذا حديث حسن غريب». وحكى محققو الجامع الكبير زيادة «صحيح» في بعض نسخ الكتاب، واختاروا من أصولهم «حسن غريب». فلا يقال إن النسخ كلها متفقة، ولا تحول كلمة «غريب» إلى تضعيف يناقض تحسينه؛ كما أنه لم يعين في هذا الموضع صاحب التفرد.

وأدخل ابن حبان طريق حفص عن هشام في صحيحه. وصحح الألباني إسناد أبي داود، ووصف طريق هشام بأنه «شاهد قوي». وفي مقابل ذلك ضعف صاحب «فضل الرحيم الودود» الحديث، ورجح الإرسال في طريق أبي صالح، وناقش اختلاف الرفع والوقف في طريق هشام. فليس الحكم على مجموع هذه الروايات موضع اتفاق.

والترجيح هنا تحسين أصل الخبر من رواية صفوان بالقرائن المتقدمة، مع إبقاء الإرسال والعنعنة والاختلاف في بقية الطرق على ما بينها البحث. فحديث القعقاع وحديث الأعمش يلتقيان عند أبي صالح، وحديث هشام مخرج آخر عن ابن سيرين، وله علله المذكورة. وتعدد الكتب التي روت عن صفوان، أو عن حفص، أو عن مسلم الجرمي لا يرفع ما وقع عند ذلك الراوي من خلاف. وفي بطاقات التخريج ألفاظ المصادر وأسانيدها، ومواضع الاتصال والسقط، وحدود الحكم على كل طريق.

فقه الحديث

إعداد موقع أهل الحديث

فوائد الحديث وكلام أهل العلم فيه

معنى قوله «أَحِّدْ أَحِّدْ»

قوله «أَحِّدْ» أمر بفتح الهمزة وكسر الحاء المشددة وسكون الدال؛ أي اجعل إشارتك بإصبع واحدة. فالرجل كان يدعو ويشير بإصبعين، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإفراد الإشارة. وفسره ابن الأثير بقوله: «أشر بأصبع واحدة؛ لأن الذي تدعو إليه واحد وهو الله تعالى». وذكر الزمخشري أن أصل اللفظ «وحِّد»، فأبدلت الواو همزة. فالمقصود توحيد الإشارة، وما تدل عليه من إخلاص الدعاء لله وحده.

وليست العبارة تلقينا للرجل أن يقول «أحدٌ أحدٌ» مرتين؛ فإن سياقها تصحيح هيئة الإشارة. وذكر ابن الملك أن تكرار الأمر للتأكيد، فلا يستخرج منه عدد معين لرفع الإصبع أو لتكرار ذكر في الدعاء.

إفراد الإشارة ودلالتها على التوحيد

لفظ الترمذي «كان يدعو بإصبعيه» يبين الفعل الذي تعلق به التعليم. ويزيده بيانا أثر عبد الله بن عمر عند مالك، عن عبد الله بن دينار، قال: «رآني عبد الله بن عمر وأنا أدعو وأشير بأصبعين، أصبع من كل يد فنهاني». فهذا أثر موقوف على ابن عمر، وفيه بيان صورة الإشارة بإصبع من كل يد؛ وليس فيه أن الرجل رفع كفيه مبسوطتين.

وعند ابن أبي شيبة، من طريق وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين: «كانوا إذا رأوا إنسانا يدعو بإصبعيه ضربوا إحداهما وقالوا: إنما هو إله واحد». وهذا ثابت إلى ابن سيرين، يبين معنى الإشارة عند من حكى فعلهم، ولم يسمهم؛ فلا يجعل حديثا مرفوعا، ولا إجماعا لجميع الصحابة. والمقصود موافقة الإشارة لتوحيد المدعو، وليس في هذه الأخبار الحكم بالشرك على من أشار بإصبعين.

الإشارة في التشهد وفي الدعاء

قال الترمذي عقب الحديث: «ومعنى هذا الحديث: إذا أشار الرجل بإصبعيه في الدعاء عند الشهادة لا يشير إلا بإصبع واحدة». وأورد النسائي حديث أبي هريرة وحديث سعد في «باب النهي عن الإشارة بأصبعين، وبأي أصبع يشير» في أبواب التشهد. فدخول التشهد في هذا المعنى ظاهر من تفسير الترمذي وتبويب النسائي، مع ثبوت الإشارة فيه بأحاديث صفة الصلاة.

وأما تعيين موضع هذه الواقعة، فلفظ الترمذي «كان يدعو»، ولفظ أبي داود عن سعد «وأنا أدعو»، لا يصرحان بالصلاة. وورد «في الصلاة» في رواية وكيع عن الأعمش، عن أبي صالح، وهي مرسلة. وقال ابن عبد البر في شرح أثر ابن عمر إن سعدا كان يدعو في صلاته، ثم ساق إسناد النسائي بلفظ «وأنا أدعو»؛ فذكر الصلاة في شرحه لا يحولها إلى لفظ محفوظ في ذلك الإسناد.

وقال ابن عبد البر أيضا: «والسنة أن يشير الداعي إذا أشار بأصبعه السبابة وحدها». فقوله «إذا أشار» يبين العمل بهذا الأدب في الدعاء، ولا يوجب على الداعي إشارة في كل دعاء، ولا يحصر الإشارة في الصلاة. وإيراد الترمذي الحديث في الدعوات لا يعارض تفسيره له بالدعاء عند الشهادة؛ إذ الدعاء يشمل ما في الصلاة وما خارجها.

السبابة من اليد اليمنى

جاء في حديث سعد عند النسائي بعد قوله «أَحِّدْ أَحِّدْ»: «وأشار بالسبابة». وأما تعيين اليمنى في قصة أبي هريرة فجاء في طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين، المختلف في رفعه ووقفه، كما تقدم في طرق الحديث. فلا تضاف هذه الزيادة إلى لفظ الترمذي الذي لم يسقها، ولا تسوى درجة كل زيادة بدرجة أصل الأمر.

وسنة الإشارة بالسبابة اليمنى في الصلاة ثابتة بدليل مستقل؛ ففي صحيح مسلم عن ابن عمر وصف جلوس النبي صلى الله عليه وسلم ووضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وفيه: «وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى». وفي رواية أخرى: «كان إذا قعد في التشهد»، وفي آخرها: «وأشار بالسبابة». فالإصبع التي تلي الإبهام هي السبابة، ويعمل بهذه الصفة في موضعها من الصلاة، ولا يتوقف ثبوتها على الزيادة المختلف فيها في حديث «أَحِّدْ».

الإشارة بالإصبع ورفع اليدين

النهي عن الإشارة بإصبعين لا يدل على منع رفع اليدين في الدعاء؛ فهذان فعلان مختلفان، ولكل منهما مواضعه وأدلته. وقد ثبت في صحيح مسلم، في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، أنه استقبل القبلة «ثم مد يديه فجعل يهتف بربه». فلا يعارض النهي عن الإشارة بإصبعين رفعَ اليدين المشروع في مواضعه، ولا يلزم من جوازه أن يكون سنة في كل موضع من الصلاة أو خارجها.

وأما وصف ابن الأثير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بالمسبحة في التوحيد والتشهد، وبكفه كلها في غير ذلك، فورد عند شرحه حديث «كان إذا أشار أشار بكفه كلها» في صفة الإشارة. وليس هذا النص وحده دليلا على استيعاب أحكام رفع اليدين في الدعاء؛ وإنما يعرف كل عمل من الروايات الواردة فيه.

التعليم ببيان الصفة المشروعة

في الحديث تعليم الداعي هيئة الإشارة بكلمة موجزة مكررة للتأكيد، مع بقاء أصل دعائه. فيقصد العبد ربه وحده، ويوافق هديه في القول والعمل. وليس في الخبر صيغة دعاء مخصوصة يلزم ترديدها، ولا وعد خاص بإجابة من أشار، ولا تحديد لتحريك الإصبع أو وقت رفعها وخفضها في ألفاظ التشهد؛ فهذه التفاصيل ينظر في أدلتها، ولا يستخرجها لفظ «أَحِّدْ» وحده.

مراجع فقه الحديث

سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى الترمذي، ج٥، ص٥٥٧، حديث ٣٥٥٧، وتفسير المصنف عقبه.

الموطأ، لمالك بن أنس، رواية يحيى بن يحيى، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج١، ص٢١٧، حديث ٣٧ من كتاب القرآن، باب العمل في الدعاء.

المصنف، لعبد الله بن محمد ابن أبي شيبة، تحقيق سعد الشثري، ج٥، ص٣٤٥، حديث ٨٦٦١؛ وج١٦، ص٣١٠–٣١١، حديث ٣١٦٧٥.

الاستذكار، ليوسف بن عبد الله ابن عبد البر، ج٢، ص٥٣٨.

صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، ج١، ص٤٠٨–٤٠٩، حديث ٥٨٠، روايتا حماد بن سلمة ومالك؛ وج٣، ص١٣٨٣–١٣٨٤، حديث ١٧٦٣.

إظهار بقية المراجع

النهاية في غريب الحديث والأثر، للمبارك بن محمد ابن الأثير، ج١، ص٢٧، مادة «أحد»؛ وج٢، ص٥١٨، مادة «شير».

الفائق في غريب الحديث والأثر، لمحمود بن عمر الزمخشري، ج١، ص٢٦، مادة «أحد».

شرح مصابيح السنة، لمحمد بن عبد اللطيف ابن الملك، ج٢، ص٢٦، شرح حديث ٦٤٨.

سنن النسائي المجتبى، لأحمد بن شعيب النسائي، طبعة مؤسسة الرسالة، ج٣، ص٦٦–٦٧، الحديثان ١٢٧٢ و١٢٧٣.

سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، ج٢، ص٨٠، حديث ١٤٩٩.

نسخة وكيع، لوكيع بن الجراح، ص٩٢، حديث ٣٦.

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب علي بن بلبان، ج٣، ص١٦٦–١٦٧، حديث ٨٨٤؛ والمصنف لابن أبي شيبة، ج٥، ص٣٤٣، حديث ٨٦٥٢؛ في اختلاف الرفع والوقف وذكر اليمنى.