أحاديث اسم الله الأعظم

من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

المنان بديع السماوات والأرض

حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبو خزيمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام»، فقال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب».

الحكم على الحديث

هذا حديث له أصل، وقد روي عن أنس من وجوه، بعضها أقوى من بعض. أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث خلف بن خليفة، ورواه أحمد وابن ماجه من طريق أبي خزيمة، عن أنس بن سيرين. فلا يحمل ضعف سعيد بن زربي، وهو أحد رواته، على سائر أسانيده؛ كما لا تثبت كل زيادة في متنه بمجرد ثبوت أصل الخبر.

وأقوى ما تبين من هذه الطرق في أصل الدعاء طريق وكيع، عن أبي خزيمة؛ فإن أبا حاتم قال فيه: «لا بأس به». وليس في هذا الطريق «يا حي يا قيوم». وأما الطريق الذي فيه هذه الزيادة ففيه خلف بن خليفة، وقد تغير في آخر عمره، فيفتقر الكلام عليه إلى معرفة وقت السماع منه. فهذا موضع التفصيل في الخبر، لا أن تجعل طرقه كلها في منزلة واحدة.

طريق أنس بن سيرين عن أنس

رواه أحمد عن وكيع، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، قال: حدثنا أبو خزيمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك. وفيه حمد الله، وإفراده بالوحدانية، وذكر «المنان، بديع السماوات والأرض، ذي الجلال والإكرام»، ثم إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الرجل سأل الله باسمه الأعظم.

وأبو خزيمة هو العيذي البصري، قيل: اسمه نصر بن مرداس، وقيل: صالح بن مرداس. ذكره ابن أبي حاتم باسم نصر، وقال: «سألت أبي عنه فقال: لا بأس به». وذكر المزي روايته عن أنس بن سيرين، ورواية وكيع عنه، ونقل هذا القول. فلا يستقيم إغفال تعديله، ولا إعلال هذا الوجه بسعيد أو خلف؛ فإنهما ليسا في إسناده.

رواية حفص ابن أخي أنس

ورواه خلف بن خليفة، عن حفص ابن أخي أنس، عن أنس؛ أخرجه أبو داود، وأحمد من رواية حسين بن محمد وعفان عن خلف، وابن حبان من رواية قتيبة عنه. وفي رواية أبي داود وأحمد: «يا حي يا قيوم»، وفي جواب النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دعا الله باسمه العظيم».

وحفص قال فيه أبو حاتم: «هو صالح الحديث». وخلف قال فيه يحيى بن معين: «ليس به بأس»، وقال أبو حاتم: «صدوق». إلا أن أحمد أدركه وقد كبر، فقال: «وجعلت لا أفهم ما يقول فتركته ولم أكتب عنه شيئا». ونقل المزي عنه: «فمن كتب عنه قديما فسماعه صحيح».

فهذا بيان تغير خلف، وتمييز قديم حديثه من حديثه بعد التغير. وليس فيه أن هؤلاء الرواة سمعوا هذا الخبر منه بعد ذلك؛ فلا يجزم بهذا من غير حجة. وإخراج ابن حبان له في صحيحه يدل على قبوله عنده، ويبقى النظر في ضبط ألفاظه بحسب الطرق؛ ففي الرواية عنه في هذا الكتاب ألفاظ زائدة ليست في لفظ أبي داود.

حديث سعيد بن زربي عن ثابت وعاصم

ورواه سعيد بن زربي، عن عاصم الأحول وثابت، عن أنس. أخرجه الترمذي، وقال: «هذا حديث غريب من هذا الوجه وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس». فخص الغرابة بهذا الوجه، ونبه على أن للخبر طرقا سواه.

وسعيد ضعيف؛ قال البخاري: «صاحب عجائب»، وقال يحيى بن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عجائب من المناكير». فلا يحتج بهذا الإسناد وحده، ولا تجعل روايته حجة في لفظ ينفرد به. وهذا جرح في سعيد، لا حكم من هؤلاء الأئمة على جميع طرق حديث أنس.

رواية إبراهيم بن عبيد بن رفاعة

ورواه محمد بن إسحاق، عن عبد العزيز بن مسلم، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن أنس. وأخرجه الطحاوي من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: «حدثني عبد العزيز بن مسلم». ففي هذا الوجه تصريح ابن إسحاق بالسماع؛ فلا يعل بمجرد العنعنة في رواية أخرى.

وعبد العزيز هنا مولى آل رفاعة، وليس عبد العزيز بن مسلم القسملي. ذكره ابن أبي حاتم في ترجمة مفردة، ولم يذكر فيها تعديلا؛ فلا ينقل إليه توثيق القسملي الذي تقدمت ترجمته. وأما إبراهيم فقال أحمد: «ليس مشهورا بالعلم»، ووافقه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: «مديني أنصاري زرقي ثقة». فيذكر القولان، ولا يقتصر على أحدهما. وفي متن هذا الطريق أصل الدعاء وذكر الاسم الأعظم، وليس فيه «يا حي يا قيوم».

ما اتفقت عليه الروايات وما اختلفت فيه

اجتمعت هذه الروايات على الثناء على الله بالوحدانية، والمن، وإبداع السماوات والأرض، والجلال والإكرام، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على دعاء الرجل. واختلفت في سياق القصة وبعض ألفاظ الدعاء والجواب.

ففي لفظ ابن ماجه: «وحدك لا شريك لك»، وليس هذا في لفظ أبي داود المذكور. وفي رواية خلف عند أبي داود وأحمد: «يا حي يا قيوم»، وليس ذلك في رواية أبي خزيمة عند ابن ماجه وأحمد، ولا في الرواية المتقدمة عن إبراهيم. وقال ابن ماجه: «باسمه الأعظم»، وقال أبو داود: «باسمه العظيم». فكل لفظ يعزى إلى راويه، ولا تجمع الزيادات ثم يساق مجموعها على أنه لفظ مصنف واحد.

الثناء على الله بين يدي المسألة

في الحديث أن الحمد والثناء من أسباب إجابة الدعاء؛ قال الرجل: «إني أسألك بأن لك الحمد»، ثم ذكر وحدانية الله وأسماءه وصفاته. و«المنان» كثير الإحسان والعطاء، و«بديع السماوات والأرض» خالقهما على غير مثال سابق. فجمع دعاؤه الاعتراف بفضل الله وكماله، وإفراده بالعبادة، والافتقار إليه في المسألة.

وهذا المعنى يلتقي مع حديث بريدة في التوسل بالتوحيد والإيمان، مع اختلاف الإسناد واللفظ؛ فليس حديث أنس رواية أخرى من إسناد بريدة، ولا يصح نقل ألفاظ أحدهما إلى الآخر.

حد دلالته على تعيين الاسم الأعظم

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل سأل الله باسمه الأعظم، ولم يقل في هذا الخبر: الاسم الأعظم هو «المنان»، أو «بديع السماوات والأرض»، أو غيرهما مفردا. فالدعاء بهذه الكلمات اتباع لما أثنى عليه، وأما الجزم باسم بعينه فزيادة في الاستدلال تحتاج إلى بيان.

ومن استدل بـ«الحي القيوم» لزمه النظر في ثبوت هذه الزيادة أولا، ثم في دلالتها على التعيين؛ فإن ذكر اسم في دعاء جمع أسماء لا يفرده وحده بهذا الحكم. وفي الباب حديث أسماء بنت يزيد في آيتين، وحديث أبي أمامة في ثلاث سور، ولكل منهما إسناده والكلام عليه.