أحاديث الاسم الأعظم

من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه

اسم الله الأعظم في ثلاث سور

عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن، في سورة البقرة، وآل عمران، وطه».

الحكم على الحديث

هذا حديث يرويه القاسم أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة. وقد اختلف أهل العلم في القاسم، واختلفت الرواية في رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ودافع الحاكم عن رواية الوليد بن مسلم المرفوعة، وحسن الألباني إسناده. فليس تضعيفه قولا متفقا عليه، ولا يصح أن ينقل الكلام في بعض حديث القاسم على أنه حكم على هذا الخبر بعينه.

وموضع النظر فيه أمران: حفظ القاسم لهذا الخبر، والاختلاف في ذكر أبي أمامة ورفع الحديث. وأما تعيين «الحي القيوم»، فمسألة أخرى؛ إذ ليس في المتن المرفوع تسمية الاسم، وإنما فيه الإخبار بأنه في السور الثلاث. وبيان هذه الفروق يحفظ لفظ الرواية، ويميزه من نظر رواتها.

مدار الخبر ووجها روايته

رواه عبد الله بن العلاء بن زبر، عن القاسم، عن أبي أمامة. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم عن الوليد بن مسلم، عن عبد الله؛ وقال الوليد: «حدثني عبد الله بن العلاء بن زبر»، وقال عبد الله: «حدثنا القاسم بن عبد الرحمن». ففي هذا الإسناد تصريح بالسماع، فلا يعل ما بين هؤلاء الرواة بمجرد ذكر تدليس الوليد وإغفال لفظه في الرواية.

ورواه غيلان بن أنس، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ حدث به عنه عيسى بن موسى، وسمعه منه عمرو بن أبي سلمة. وأخرج هذا الوجه ابن ماجه والطحاوي. وروى يحيى بن معين الخبر من حديث عمرو، عن عبد الله بن العلاء، ثم ذكر حديث عيسى عن غيلان.

فهذان وجهان عن القاسم؛ أحدهما حديث عبد الله بن العلاء، والآخر حديث غيلان. وكلاهما يرجع إليه، وليسا إسنادين مستقلين عن أبي أمامة من غير طريق القاسم. ومجرد إخراج يحيى بن معين للخبر في رواية الدوري عنه لا يكون نصا في تصحيحه؛ وإنما ينقل حكمه الصريح حيث ورد.

الاختلاف في رفعه

أخرج ابن ماجه أولا عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن عبد الله بن العلاء، عن القاسم، قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في سور ثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه». فوقف هذا السياق عند القاسم، ولم يذكر أبا أمامة ولا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو من قول التابعي في هذه الرواية.

ثم أخرج عن عمرو أنه ذكر ذلك لعيسى بن موسى، فحدثه عن غيلان، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وجاء طريق عبد الله بن العلاء مرفوعا أيضا في رواية الوليد عند الحاكم، وفي الرواية عن عمرو عند ابن معين والحاكم. فلا يختصر اختلاف الروايات في أن عبد الله رواه مقطوعا دائما، وغيلان وحده رفعه.

وقال الحاكم: «هذا لا يعلل حديث الوليد بن مسلم، فإن الوليد أحفظ وأتقن وأعرف بحديث بلده»، ثم قال: «على أن الشيخين لم يحتجا بالقاسم أبي عبد الرحمن». فدافع عن رواية الوليد، ولم ير الوجه المذكور علة تقدح فيها. وعدم إخراج الشيخين للقاسم ليس وحده جرحا له، كما أن ذكر هذا الترجيح لا يرفع الخلاف في حفظه.

كلام النقاد في القاسم

قال يحيى بن معين: «القاسم بن عبد الرحمن الذي يروي عن أبي أمامة ثقة». وقال العجلي: «شامي، تابعي، ثقة، يكتب حديثه، وليس بالقوي». فتوثيقه معروف عن المتقدمين، وعبارة العجلي تجمع التعديل مع التحفظ في قوة حديثه؛ فلا يؤخذ آخرها ويترك أولها، ولا العكس.

وفي رواية عبد الله عن أحمد، عند ذكر القاسم وما يروى عنه من المناكير: «في حديث القاسم مناكير مما يرويها الثقات يقولون من قبل القاسم». وحكى ابن أبي حاتم عن أحمد إنكار خبر آخر له عن أبي أمامة في الدباغ، وقوله: «ما أرى هذا إلا من قبل القاسم». فهذا يبين جهة الكلام في حفظه، لكنه ليس حكما من أحمد على حديث الاسم الأعظم.

وبهذا يتبين أن الخلاف قديم، وليس كل من احتج بالخبر تابعا لتصحيح متأخر. وقال الألباني: «وهذا إسناد حسن، لأن القاسم ثقة لكن في حفظه شيء». فبنى تحسينه على قبول حديث القاسم مع ما في حفظه؛ ومن ناقش هذا الحكم فموضع مناقشته حال الراوي ووجوه الاختلاف، دون نسبة رد هذا الحديث إلى إمام لم ينقل عنه ذلك.

من أين جاء تعيين الحي القيوم؟

فصل الحاكم بين الخبر وبين ما بعده، فقال عقب ذكر السور: «قال القاسم: فالتمستها إنه الحي القيوم». وعند الطحاوي: «قال أبو حفص: فنظرت في هذه السور الثلاث»، ثم ذكر آية الكرسي، وفاتحة آل عمران، وقوله تعالى في طه: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. وأبو حفص هو عمرو بن أبي سلمة.

فالتماس الآيات مذكور في رواية عن القاسم، وفي أخرى عن عمرو، وليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من هذين السياقين. وقد ناقش الطحاوي استخراج عمرو، وذكر احتمالا آخر: أن يكون المراد من سورة طه قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾؛ فيعود النظر في هذا الاحتمال إلى اسم «الله». وهذا اختلاف في فهم الحديث، لا اختلاف في اسم صرح به النبي صلى الله عليه وسلم.

ما يدل عليه الخبر

على قول من يثبت الحديث، فهو يدل على أن الاسم الأعظم في هذه السور، ولا ينص على آية بعينها، ولا يأمر بقراءة السور الثلاث عددا مخصوصا، ولا يجعل كل استنباط منها حديثا مرفوعا. و«الحي القيوم» من أسماء الله الثابتة في القرآن، يدعى الله بهما؛ وإنما البحث هنا في نسبتهما إلى هذا الخبر على جهة التعيين.

وأما حديث بريدة ففيه دعاء مسموع وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، وحديث أنس دعاء آخر، وحديث أسماء بنت يزيد يذكر آيتين. فيحفظ لكل خبر لفظه وإسناده، ثم ينظر في دلالته؛ ولا تجعل هذه المتون رواية واحدة، ولا يلزم من ترجيح بعضها إسقاط سائرها.