صاحب «السنن»؛ أورد الحديث في باب ما يقول بعد التشهد.
حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي، أن محجن بن الأدرع حدثه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد وهو يقول: اللهم إني أسألك يا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: «قد غفر له، قد غفر له» ثلاثا.
أبو حاتم الرازي، ابن خزيمة، ابن منده، الحاكم، الألباني
الحكم على الحديث
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه الحاكم، وقال الألباني: «إسناده صحيح على شرط مسلم». ورجح أبو حاتم وجه محجن على رواية مالك بن مغول، عن ابن بريدة، عن أبيه؛ ورجح ابن منده حديث مالك. وتفصيل قولهما فيما يأتي.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، وتعقبه الألباني بأن حنظلة بن علي لم يخرج له البخاري في صحيحه، وإنما أخرج له في الأدب المفرد. فتعقبه في نسبة الإسناد إلى شرط البخاري، مع موافقته على صحة الحديث.
طرق الحديث واختلاف ألفاظه
طريق عبد الوارث عن حسين المعلم
يرويه عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي، عن محجن بن الأدرع. ورواه عن عبد الوارث أبو معمر عبد الله بن عمرو، وعبد الصمد بن عبد الوارث.
فأما أبو معمر، فرواه عنه أبو داود، وعلي بن عبد العزيز، وجعفر بن محمد بن شاكر، وأبو مسعود أحمد بن الفرات. وحديث علي عند الطبراني. وحديث جعفر عند الحاكم من طريق عبد الصمد بن علي بن مكرم، عن جعفر. وحديث أبي مسعود عند ابن منده من طريق عبد الرحمن بن يحيى بن منده، عن أبي مسعود.
وأما عبد الصمد، فرواه عنه أحمد بن حنبل، وعمرو بن يزيد، وابنه عبد الوارث. وحديث عمرو عند النسائي. وحديث عبد الوارث بن عبد الصمد أخرجه ابن أبي عاصم عنه، عن أبيه، عن جده عبد الوارث بن سعيد، عن حسين، بهذا الإسناد. وهو عند ابن خزيمة عن عبد الوارث بن عبد الصمد أيضا.
وفي طبعة المكتب الإسلامي من صحيح ابن خزيمة، بتحقيق الأعظمي، «حدثني أبي» مرة واحدة، ثم الرواية عن حسين. ونقل ابن حجر إسناده في إتحاف المهرة بذكر «حدثني أبي» مرتين، فذكر رواية عبد الصمد عن أبيه عبد الوارث. وفي مصورة الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم: «ثنا أبي، أخبرني أبي»، فذكر الأب والجد.
وأثبت محققو دار التأصيل «حدثني أبي» الثانية من الإتحاف، وذكروا أنها ليست في أصلهم، وهو نسخة أحمد الثالث رقم ٣٤٨. وذكروا أن فيه «عن» قبل «المعلم»، فأثبتوا مكانها «هو» من الإتحاف، وأثبتوا منه «عن» قبل ابن بريدة. فهذه استدراكات من الإتحاف، وليست ألفاظا أثبتتها نسخة أخرى من الصحيح. ورُسم إسناد ابن خزيمة في مخطط التخريج وفق ما نقله ابن حجر في إتحاف المهرة.
صيغ التحديث في الإسناد
في رواية أحمد قول ابن بريدة: «حدثني حنظلة بن علي»، وأن محجنا حدث حنظلة. وحمل هذا اللفظ حسين المعلم، وعنه عبد الوارث، وعنه ابنه عبد الصمد، ومن عبد الصمد سمعه أحمد. وقد وثق العجلي عبد الصمد، ووثق غير واحد من النقاد عبد الوارث وحسينا؛ وتفصيل أحوالهم والخلاف في بعضهم في تراجمهم.
وجاء قول ابن بريدة «حدثني حنظلة» أيضا في رواية الطبراني عن علي بن عبد العزيز، عن أبي معمر. وعلي قال فيه ابن أبي حاتم: «وكان صدوقا». وأما رواية ابن أبي عاصم ففيها «أخبرني حنظلة بن علي».
وأما حسين، فروايته عن عبد الله بن بريدة في هذا الخبر بالعنعنة. وثبت أصل تحديث عبد الله له في صحيح البخاري، في حديث تسمية صلاة المغرب، من طريق أبي معمر، عن عبد الوارث، عن حسين، قال: «حدثنا عبد الله بن بريدة». وهذا يثبت أصل اللقاء والتحديث، ولا يغير صيغة روايته في حديث الدعاء.
وابن بريدة هنا هو عبد الله، كما سماه أبو داود؛ يروي عن حنظلة، عن محجن، فلا تتعلق بهذا الإسناد مسألة سماعه من أبيه بريدة.
اختلاف ألفاظ الدعاء والجواب
في رواية أبي داود: «اللهم إني أسألك يا الله الأحد الصمد»، وفي رواية أحمد: «اللهم إني أسألك بالله الواحد الأحد الصمد»، وعند النسائي: «اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد».
واتفقت هذه الروايات على قوله: «الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»، وعلى سؤال المغفرة وختم الدعاء بـ«إنك أنت الغفور الرحيم». وأثبت أبو داود «قد غفر له» مرتين في سياق النص، ثم قال: «ثلاثا»؛ وساقها أحمد ثلاث مرات، ثم قال: «ثلاث مرار»؛ واكتفى النسائي بذكرها مرة ثم قال: «ثلاثا».
فالتكرار ثلاثا محفوظ في الروايات الثلاث، وإن اختلفت طريقة سياقه. وليس في واحدة منها قول «لقد سأل الله باسمه الأعظم».
إظهار المزيد
وعند النسائي في الكبرى: «يا الله الواحد الأحد الصمد»، وعند ابن أبي عاصم: «بالواحد الأحد الصمد». وفي صحيح ابن خزيمة، طبعة المكتب الإسلامي: «بالله الواحد الصمد»، و«أن تغفر لي ذنوبي»؛ وفي طبعة دار التأصيل: «يا الله الواحد الصمد»، و«أن تغفر لي ذنبي» بالإفراد.
وفي الدعاء للطبراني: «يا الله الأحد الصمد الذي لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد»؛ وفي الكبير له: «بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد». ووقع في إسناد الكبير «عبد الله بن يزيد»، وفي الدعاء بالإسناد نفسه «عبد الله بن بريدة»، كما سماه أبو داود.
وفي رواية الحاكم «بالله الأحد الصمد»، وعند البيهقي عنه في الأسماء والصفات، طبعة الحاشدي، «يا الله الأحد الصمد». وعند ابن منده، في طبعة الفقيهي: «أسألك يا الله الأحد الصمد الذي لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحدا»، ثم قال: «فذكر بنحوه»؛ فلم يسق تمام الخبر في هذا الموضع.
وفي النسخ الخطية اختلاف في صدر الدعاء أيضا: ففي نسخة أبي داود المحفوظة ببرنستون «بالله الأحد الصمد»، وفي هامشها «بأنك الله»، وفي المصورة الأخرى لسننه «بالله الأحد الصمد». وفي نسختي مسند أحمد «بالله الواحد الأحد الصمد».
وفي مصورة النسائي المنسوبة إلى الرباط «بالله الواحد الصمد». وفي نسخة صنعاء «يا الله الواحد الأحد الصمد»، وكتب في هامشها «بأنك»؛ وهي مثبتة في المطبوع بين «يا الله» و«الواحد». وفي النسختين «قد غفر له ثلاثا». فهذه فروق بين النسخ، وتبقى ألفاظ المطبوعات المتقدمة منسوبة إلى مواضعها.
وفي مصورتي الدعاء والمعجم الكبير للطبراني «بالله الأحد الصمد»؛ غير أن الأولى تسوق «لم تلد… لك»، والثانية «لم يلد… له». ولم يتبين اسم الراوي بعد «عبد الله بن» في صورة الكبير تبينا يصلح للحكم على اختلاف المطبوع فيه. وفي مصورة المستدرك «أن تغفر ذنوبي»، دون «لي».
وفي نسخة الأسماء والصفات المنسوبة إلى الأحقاف «يا الله الأحد الصمد»، وفي نسخة فيض الله رقم ١٣٠٧ «بالله الأحد الصمد». وفيهما «قد غفر له» مرتين، بينما تكررت في طبعة الحاشدي أربع مرات؛ فلا يحمل هذا التكرار في المطبوع على أنه زيادة محفوظة في الخبر. وفي مصورة الدعوات الكبير «بالله الأحد الصمد»، وذكر الجواب مرتين ثم قال: «ثلاثا».
ورواه أبو نعيم عن الطبراني، والمزي بإسناده إلى الطبراني؛ فهما من رواية هذا الطريق، لا وجهان آخران عن حسين. ورواه الضياء في العدة بإسناده إلى ابن خزيمة، وفيه «حدثني أبي» مرة واحدة، و«أن تغفر لي ذنبي» بالإفراد. والكلام على إسناد هذه الرواية إلى ابن خزيمة مبين في مخطط التخريج.
اختلاف النقاد في ترجيح الوجه
قال ابن أبي حاتم: «وسألت أبي عن حديث رواه مالك بن مغول، عن ابن بريدة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا رجل يقول: يا الله الواحد الصمد…، فذكر الحديث؟» قال أبوه: «رواه عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن حنظلة بن علي، عن محجن بن الأدرع، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث عبد الوارث أشبه».
ثم ذكر أبو حاتم رواية أبي إسحاق الهمداني عن مالك لهذا الحديث، وزاد ابن أبي حاتم أن الثوري رواه عن مالك. فالأول من كلام أبي حاتم، والثاني من زيادة ابنه.
والسؤال في رواية مالك بعينها، وقد اختصر متنه بقوله: «فذكر الحديث». فترجيح أبي حاتم متعلق بهذا الوجه، ولا يتضمن حكما على سائر أحاديث الاسم الأعظم.
وقال ابن منده، بعد ذكر رواية مالك بن مغول ومن رواها عنه: «وخالفهما حسين المعلم، وحديث مالك أشبه». ثم أسند حديث محجن من طريق عبد الوارث عن حسين. فترجيحه لحديث مالك يخالف ترجيح أبي حاتم لحديث عبد الوارث؛ ولكل منهما قوله في اختلاف هذا الخبر، ولا يدعى اتفاقهما عليه.
موضعه من حديث بريدة
يشترك هذا الخبر وحديث بريدة في الثناء على الله بالأحد الصمد وما بعده، ويفترقان في الصحابي وفيمن روى عنه ابن بريدة، وفي سؤال المغفرة والجواب بها في حديث محجن، وذكر الاسم الأعظم في حديث بريدة.
وقد ساق النسائي هذا الوجه في الكبرى، ثم قال: «خالفه مالك بن مغول»، وأتبعه برواية مالك، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. فذكر المخالفة، ولم يذكر في هذا الموضع ترجيحا بين الوجهين.
وقال الترمذي في حديث بريدة: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه غيره، كما بسط في دراسته. وقد تقدم اختلاف أبي حاتم وابن منده في ترجيح الوجهين؛ واختلاف اللفظ وحده لا يقطع بأنهما واقعتان.
فقه الحديث
إعداد موقع أهل الحديث
فوائد الحديث وكلام أهل العلم فيه
سؤال المغفرة بعد الثناء
قدم الداعي الثناء على الله بالأحد الصمد، ونزهه عن الولد والوالد والكفء، ثم سأله غفران ذنوبه، وختم بـ«إنك أنت الغفور الرحيم». فناسب ذكر المغفرة والرحمة حاجته التي سألها، وجمع دعاؤه بين تعظيم الله والافتقار إليه.
وفي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له والبشارة بالمغفرة بيان فضل هذا الدعاء. ومن دعا به أتى بالثناء والمسألة الواردين في الخبر؛ وأما تعيين الاسم الأعظم فليس في لفظ هذه الرواية، وإنما ورد في حديث بريدة.
موضع الدعاء من الصلاة
قال محجن في وصف الرجل: «قد قضى صلاته، وهو يتشهد». فذكر التشهد يبين الحال التي كان عليها؛ وأورد أبو داود الحديث في «باب ما يقول بعد التشهد»، وأورده ابن خزيمة في «باب الاستغفار بعد التشهد وقبل السلام». فحمله ابن خزيمة على الدعاء في آخر الصلاة قبل التسليم.
ولا يؤخذ من صدر الجملة وحده أنه كان قد سلم؛ إذ يجمع بينه وبين قوله «وهو يتشهد».
البشارة بالمغفرة وتكرارها
قوله صلى الله عليه وسلم «قد غفر له» خبر عن حصول المغفرة لهذا الرجل؛ وقد كرره ثلاث مرات. والتكرار في الجواب، وليس في النص أن الرجل كرر دعاءه ثلاثا؛ فلا يجعل عدد الجواب عددا مأمورا به في الدعاء.
ومحجن هو ناقل القصة، وليس في هذه الروايات تسمية الرجل الداعي. فتبقى البشارة له على ما جاء في النص، ويؤخذ من الخبر فضل الثناء على الله وسؤاله المغفرة بهذا الدعاء.
تخريج الحديثقد غفر له
طرق حديث محجن في المصادر المذكورة؛ تلتقي عند عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي، عن محجن.
تظهر فروع أبي معمر وعبد الصمد، وروايات المصنفين عنهما. وطريق ابن خزيمة على نقل ابن حجر لإسناده؛ وفرعا الضياء والمزي يبينان روايتهما لكتابي ابن خزيمة والطبراني. وفي تفاصيل الروايات فروق المطبوعات والنسخ الخطية، والكلام على الأسانيد المضافة.
اضغط على أي اسم لإبراز الروايات المرتبطة به، ثم اختر «إظهار النص» لقراءة ألفاظ الروايات ومراجعها.