حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا المقرئ قال: حدثنا حيوة بن شريح، قال: حدثني أبو هانئ، أن عمرو بن مالك الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجل هذا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بعد بما شاء».
من آداب الدعاء
من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه
الثناء على الله قبل الدعاء
الحكم على الحديث
قال أبو عيسى الترمذي في هذه الرواية: «هذا حديث حسن صحيح». وأخرج الحديث أبو داود والنسائي وأحمد، وأورده ابن خزيمة في صحيحه. وله طريق عن حيوة بن شريح، وطريق عن عبد الله بن وهب، كلاهما عن أبي هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة؛ فلا يتوقف ثبوته على رواية رشدين بن سعد، وهي أحد وجوهه.
وحيوة قال فيه يحيى بن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «حيوة أعلى القوم وهو ثقة»، ووثق يحيى بن معين عمرو بن مالك الجنبي. وفي إسناد الترمذي تصريح حيوة بالسماع من أبي هانئ، وإخبار عمرو أبا هانئ، وسماع عمرو من فضالة؛ فحفظ هذا الإسناد يبين موضع الاعتماد في الخبر.
مداره وطرق رواته
أبو هانئ هو حميد بن هانئ الخولاني، وأبو علي الجنبي هو عمرو بن مالك؛ سماهما الترمذي عقب الرواية الأخرى. فذكر أبي علي بالكنية وذكر عمرو بالاسم لا يجعل الإسنادين مختلفين. ومدار الطرق المذكورة على أبي هانئ، عن عمرو، عن فضالة.
فأما حيوة، فرواه عنه عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ. وأخرجه أحمد عنه، ورواه أبو داود عن أحمد بهذا الإسناد، والترمذي عن محمود بن غيلان عن المقرئ. فهذه المخارج تلتقي عند المقرئ، وليست ثلاثة أسانيد مستقلة عن حيوة.
ورواه النسائي عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن أبي هانئ، عن أبي علي، عن فضالة. فتابع ابن وهب حيوة في الرواية عن أبي هانئ، وساق خبر المصلّي الذي عجل، ثم خبر المصلّي الذي حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
رواية رشدين وما يشهد لها
ورواه الترمذي أيضا عن قتيبة، عن رشدين بن سعد، عن أبي هانئ، عن أبي علي، عن فضالة. وفيه أن الرجل قال: «اللهم اغفر لي وارحمني»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصل علي ثم ادعه». وفي آخره أن رجلا آخر فعل ذلك، فقال له: «أيها المصلي ادع تجب».
ورشدين ضعيف؛ ضعفه أحمد وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: «منكر الحديث وفيه غفلة». ومع ذلك قال الترمذي في هذا الخبر: «هذا حديث حسن»، ثم ذكر رواية حيوة عن أبي هانئ، وأتبعها بإسنادها ولفظها، وحكم عليها بـ«حسن صحيح». فيفرق بين ضعف رشدين وبين حكم الترمذي على الحديث الذي روي من غير طريقه.
وليس خبر المصلّي الثاني مما انفرد به رشدين؛ ففي رواية ابن وهب عند النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يصلي، فمجد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ادع تجب، وسل تعط». فهذا شاهد لهذا القدر من القصة بإسناد ليس فيه رشدين، دون أن يجعل كل لفظ في الروايتين واحدا.
ألفاظ التعليم ومعناها
في لفظ الترمذي: «فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه»، وعند أبي داود: «فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز، والثناء عليه». وفي صدر رواية أبي داود أنه لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبين ما تركه الرجل، ثم ساق التعليم بتقديمه على المسألة.
وفي روايتي الترمذي وأبي داود: «فقال له أو لغيره»، وعند أحمد: «فقال له ولغيره». والشك فيمن وجه إليه القول في اللفظ الأول لا يغير عموم التعليم؛ فإن قوله «إذا صلى أحدكم» يتناول من حضر ومن بلغه الخبر. والمحفوظ في هذه الألفاظ ترتيب الحمد والثناء، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الدعاء.
موضعه في الصلاة
قوله «يدعو في صلاته» يبين موضع القصة. وبوب ابن خزيمة عليه: «باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد». فلا يحمل قوله «إذا صلى أحدكم» على الفراغ من الصلاة والسلام منها؛ فإن صدر الحديث يفسر المراد.
وقد نبه ابن القيم إلى أن لفظ «فصلى فقال» في رواية رشدين لا يدل على أنه دعا بعد فراغه من الصلاة، وقال: «والمصلي مناج ربه مقبل عليه فدعاؤه ربه تعالى في هذه الحال أنسب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه من مناجاته». فهذا بيان لموضع الاستدلال بهذا الخبر، وليس فيه وحده حصر جميع مواطن الدعاء.
تقديم حق الله بين يدي المسألة
إنما عجل الرجل حين بادر إلى حاجته قبل الثناء والصلاة؛ فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ما يقدم بين يدي دعائه. وفيه أن السائل يبدأ بحمد ربه وذكر كماله، ثم يصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل حاجته. ولم يعين له في هذا الخبر دعاء مخصوصا، بل قال: «ثم ليدع بعد بما شاء».
وذكر ابن القيم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «عند الدعاء»، وجعل من مراتبها: «أن يصلي عليه قبل الدعاء وبعد حمد الله تعالى»، واستدل بحديث فضالة. فذكر هذا الترتيب في آداب الدعاء عامة، مع أن القصة المروية وقعت في الصلاة.
وفي حديث بريدة الثناء على الله بالتوحيد وأسمائه وصفاته، وفي حديث فضالة بيان ما يقدم قبل سؤال الحاجة. وفي تعليمه صلى الله عليه وسلم للرجل بعد قوله «عجل هذا» أنه لم يقتصر على بيان التقصير، بل أرشده إلى تمام دعائه، وبشر من أتى بهذا الأدب بقوله: «ادع تجب، وسل تعط».