أخبرني محمد بن علي، قال: حدثني القعنبي، عن عبد العزيز، عن عبد الله بن سليمان، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: بينا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في غزوة، إذ قال: «يا عقبة، قل». فاستمعت، ثم قال: «يا عقبة، قل». فاستمعت، فقالها الثالثة، فقلت: ما أقول؟ فقال: ﴿قل هو الله أحد﴾، فقرأ السورة حتى ختمها، ثم قرأ ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، وقرأت معه حتى ختمها، ثم قرأ ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، فقرأت معه حتى ختمها، ثم قال: «ما تعوذ بمثلهن أحد».
من فضائل الآيات والسور
من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه
ما تعوذ بمثلهن أحد
الحكم على الحديث
لفظ السور الثلاث صححه الألباني ومحمد علي آدم الإثيوبي، وحكم محققو «المجتبى» على طريقي النسائي بالصحة. وخالف ياسر بن محمد آل عيد في تخريج مطول، فرجح أن ذكر سورة الإخلاص في هذه القصة شاذ، وأن المحفوظ فيها المعوذتان. فليس في المسألة اتفاق نقدي: للتصحيح وجه معتبر، وللتعليل دراسة مفصلة يجب إظهارها. أما فضل الفلق والناس بلفظ لم يُر مثلهما فثابت في صحيح مسلم، واجتماع الإخلاص معهما في التحصين العملي ثابت في صحيح البخاري.
تحرير طرق الخبر والحكم عليها
طريق الدراوردي: إثبات عبد الله بن خبيب صححه جماعة
رواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الله بن سليمان، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه عبد الله بن خبيب، عن عقبة بن عامر. وفيه القصة المطولة، وقراءة السور الثلاث سورة سورة، واللفظ الجازم: «ما تعوذ بمثلهن أحد».
قال محققو «المجتبى»: «حديث صحيح، رجاله ثقات غير عبد الله بن سليمان؛ فهو صدوق يخطئ».
مرجع هذا الوجه
السنن الكبرى للنسائي، ج٧، ص١٩٨، حديث رقم ٧٧٩٧؛ وسنن النسائي المجتبى، ج٨، ص٤٥٢، حديث رقم ٥٤٣٠.
طريق خالد بن مخلد: إسقاط عبد الله بن خبيب صحيح عند المحققين
أخرجه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، عن عبد الله بن سليمان الأسلمي، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن عقبة بن عامر، فلم يذكر عبد الله بن خبيب. ولفظه: «لم يتعوذ الناس بمثلهن» أو «لا يتعوذ الناس بمثلهن».
قال محققو «المجتبى»: «حديث صحيح». ثم قالوا: «وقد خالف خالد بن مخلد عبد العزيز الدراوردي... فلم يذكر في إسناده عبد الله بن خبيب بين معاذ بن عبد الله وعقبة بن عامر، وخالد بن مخلد له مناكير».
إثبات حكم الصحة لا يقتضي إخفاء موضع الاختلاف؛ لذلك عُرض الطريق في المخطط مستقلًا، ولم يُدمج إسناده في طريق الدراوردي.
مرجع هذا الوجه
السنن الكبرى للنسائي، ج٧، ص٢٠٠، حديث رقم ٧٨٠٣؛ وسنن النسائي المجتبى، ج٨، ص٤٥٢-٤٥٣، حديث رقم ٥٤٣١ وتعليق محققيه.
الخلاف في زيادة سورة الإخلاص تصحيح وتعليل
قال الألباني بعد جمع طرق الزيادة: «وهو حسن بما قبله؛ بل هو صحيح».
وقال محمد علي آدم الإثيوبي بعد دراسة الطريقين: «والحديث صحيح، كما سبق بيانه».
وخالف ياسر آل عيد: فرجح أن رواية القصة المحفوظة هي بذكر المعوذتين فقط، وخلص إلى: «حديث حسن، بدون ذكر سورة الإخلاص»، ووصف زيادة الإخلاص في طريق آخر بأنها شاذة.
منهج العرض هنا إثبات الخلاف كما هو: لا يُدعى الإجماع على صحة الزيادة، ولا تُحذف أحكام من صححها. واليقين المنفصل أن الفلق والناس ثبت فضلهما الخاص في صحيح مسلم، وأن السور الثلاث ثبت جمعها في عمل التحصين عند النوم في صحيح البخاري.
مراجع الأحكام
صحيح سنن أبي داود للألباني، ج٥، ص٢٠٤، الكلام السابق للحديث رقم ١٣١٦؛ وذخيرة العقبى في شرح المجتبى لمحمد علي آدم الإثيوبي، ج٣٩، ص٣٨٥-٣٨٧؛ وفضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود لياسر آل عيد، ج١٨، ص٧٢-٧٣ و٨٤ و٩٠.
طريق عبد الله الأسلمي الذي ساقه النسائي قبله خطأ
جاء من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن يزيد بن رومان، عن عقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي، وفيه: «هكذا فتعوذوا، فما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط».
قال النسائي عقب الرواية مباشرة: «هذا خطأ».
وقال ابن حجر: إن صورة البزار: «عن عامر بن عقبة الجهني، عن عبد الله الأسلمي» أشبه، ثم قال عن الوجه الذي صوبه النسائي: «والحديث معروف بعقبة بن عامر، له عنه طرق بألفاظ مختلفة».
تشابه المتن، وتصحيح رجال الإسناد في ظاهرهم عند بعض المتأخرين، لا يرفع حكم إمام العلل على الخطأ الخفي؛ ولهذا ظهر الطريق في المخطط بخط منقط.
مراجع النقد
السنن الكبرى للنسائي، ج٧، ص١٩٨، حديث رقم ٧٧٩٦؛ وتهذيب التهذيب لابن حجر، ج٧، ص٤٢٦-٤٢٧، ترجمة عبد الله الأسلمي.
الأصول الصحيحة المستقلة في الباب متفق على أصلها
في صحيح مسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾».
وفي صحيح البخاري: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما، فقرأ الإخلاص والفلق والناس، ثم مسح بهما جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
مسلم يثبت المثلية الاستثنائية للمعوذتين وحدهما؛ والبخاري يثبت جمع السور الثلاث في تحصين عملي مستقل. ولا يُحوّل أحد النصين إلى لفظ الآخر.
المراجع
صحيح مسلم، ج١، ص٥٥٨، حديث رقم ٨١٤؛ وصحيح البخاري، الطبعة السلطانية، ج٦، ص١٩٠، حديث رقم ٥٠١٧، باب فضل المعوذات.
فقه الحديث
إعداد موقع أهل الحديث
من نصوص المصادر ونقد الأسانيد
معنى التعوذ: التجاء واعتصام
قال ابن القيم:
«لفظ عاذ وما تصرف منها تدل على التحرز والتحصن والالتجاء، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه». ثم قال: «فمعنى أعوذ: ألتجئ وأعتصم وأتحرز».
«مثلهن» في هذه الرواية عائد إلى السور الثلاث
دلالة سياق الطريق:
سمّت الرواية سورة الإخلاص، ثم الفلق، ثم الناس، وذكرت ختم كل سورة، ثم أعقبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعوذ بمثلهن أحد». فالضمير في هذا النص عائد إلى الثلاث المذكورة مجتمعة؛ ولا يصح تحويله إلى فضيلة للإخلاص منفردة.
وقال القسطلاني في لفظ «المعوذات»:
«وهي الفلق والناس والإخلاص، فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس».
تبويب النسائي يكشف موضع الاستدلال
بوّب النسائي:
«ذكر فضل ما يتعوذ به المتعوذون».
ما ثبت بلا حاجة إلى الطريق المختلف فيه
في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾».
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها:
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ونفث فيهما، فقرأ الإخلاص والفلق والناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
الفرق بين الدليلين:
حديث مسلم يجعل وصف «لم ير مثلهن» للفلق والناس. وحديث البخاري يثبت جمع الإخلاص معهما في تحصين نبوي متكرر. لذلك لا يتوقف أصل العمل بالسور الثلاث على حسم الخلاف في زيادة الإخلاص في حديث عقبة، ولا يجوز في المقابل نسبة لفظ مسلم إلى السور الثلاث.
بين تصحيح الزيادة وتعليلها
قال الألباني:
بعد أن ذكر طريق النسائي بالسور الثلاث، وتتبع ما وجده له من طرق: «وهو حسن بما قبله؛ بل هو صحيح».
وقال محمد علي آدم الإثيوبي:
بعد عرض رجال الطريقين واختلاف خالد بن مخلد والدراوردي: «والحديث صحيح، كما سبق بيانه».
وخالف ياسر آل عيد:
وازن روايات القصة عن معاذ وعقبة، ورأى أن الثقات حفظوا المعوذتين دون الإخلاص، ثم خلص إلى أن الحديث حسن «بدون ذكر سورة الإخلاص»، ووصف الزيادة في وجه آخر بأنها شاذة.
عبارة ابن حجر لا تمحو فروق الأسانيد
قال ابن حجر في ترجمة عبد الله بن خبيب:
ذكر رواية معاذ عن أبيه، ثم روايات معاذ عن أبيه عن عقبة، وقال: «ولا يبعد أن يكون الحديث محفوظًا من الوجهين؛ فإنه جاء أيضًا من حديث ابن عابس الجهني، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري».
موضع العبارة بدقة:
الكلام في احتمال حفظ رواية عبد الله بن خبيب للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وحفظ روايته له بواسطة عقبة أيضًا. وليس حكمًا عامًا بتسوية كل اختلاف وقع بعد معاذ؛ لذلك يبقى إسقاط خالد بن مخلد لعبد الله بن خبيب مذكورًا كما نبه عليه محققو «المجتبى».
حدود حديث الباب: لا وقت ولا عدد في لفظه
حديث الباب:
لا يحدد طريقا النسائي وقتًا بعينه ولا عددًا للتكرار. فلا يُنسب إليهما قيد الصباح والمساء أو التثليث؛ فذلك لفظ خبر مستقل.
وجاء الوقت والعدد في خبر مستقل عن عبد الله بن خبيب:
«قل قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي، وحين تصبح، ثلاث مرات تكفيك من كل شيء»؛ وحكم الترمذي عليه: «حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».